تقارير

كيهيدي.. همومٌ تلون أحلام الساكنة بألوان صباغة ملابسهم

كيهيدي.. همومٌ تلون أحلام الساكنة بألوان صباغة ملابسهم

“صحراء ميديا” ترصد جزءا من ملامح مدينة الصباغة والنهر ومزارع الأرز

كيهيدي – محمد ولد زين

في مدينة تجهل غالبية ساكنتها معنى تسميتها “كيهيدي”.. وتشغلهم هموم حياتهم اليومية “الصعبة” عن التدبر في معنى كلمة “بولارية” صرفة؛ فسرها لنا أحد شيوخ المدينة؛ بالقول إن عاصمة ولاية كوركول قامت على أنقاض واد خصيب اشتهر ذات زمان بـ”نجاح الزراعة”، وكان يقوم عليه مزارع من “الهالبولار” يدعى “كي” وعند الزوال تحضر زوجته الغداء. وتسأله “كي هيدي” بمعني “كي أنت جائع؟”؛ تلك كانت قصة التسمية.

في الواقع اليوم؛ شهدت المدينة قبل أشهر أحداثا وصفت بـ”العرقية” فجرها الإحصاء الحالي؛ وخلفت جراحا لما تندمل بعد؛ أحرقت نيرانها قصر العدالة وبعض تجهيزات الشرطة، وكادت الاحتجاجات أن تتحول إلى صراع عرقي دائم لولا احتواء الموقف.

تقول الإحصائيات؛ إن سكان ولاية كوركول يصلون حاليا ربع مليون ساكن؛ يقطن منهم حوالي 60.000 نسمة في عاصمة الولاية؛ الواقعة على بعد 435 كيلومترا إلى الجنوب الشرقي من العاصمة نواكشوط؛ يتعايشون بشكل سلس رغم توزعهم إلى مجموعات أثنية ذات أصول متعددة “هالبولار، العرب، والسونينكي”.

سياحيا تضم الولاية؛ أربعة مناطق سياحية كبرى يتقدمها “وادي النهر”؛ وهو وادي خصب يحوي بيئة نباتية متنوعة؛ ثم سد “فم لكليته”، الذي يعتبر أكبر تجمع مائي اصطناعي صالح للشرب في موريتانيا؛ ويحتل المرتبة الثالثة “نعام مونكل”؛ الذي تتم تربيته في مساكن طبيعية قديمة؛ وأخيرا “طيور مدينة مقامة”، حيث تهاجر الطيور الكبيرة لقضاء الشتاء في الجو الدافئ بالقرب من النهر.

وتبقى “صباغة الأقمشة” النشاط الأساسي لدى نساء كيهيدي؛ إذ ينجزن ملاحف وأقمشة قطنية ملونة ذائعة الصيت في كل أنحاء موريتانيا، وهن ينتظمن ضمن تعاونيات وشركات تعمل على تسويق وتصدير منتجاتهن إلى العاصمة نواكشوط؛ قبل أن تغزو باقي الأسواق الداخلية.

هاجس الفقراء

“كيهيدي” هي كما عهدها الزائر من قبل حركة اقتصادية محمومة؛ شوارع ممهدة في انتظار (…) وتوسعة مستشفى لما تكتمل بعد؛ وواجهة الأحداث في عاصمة ولاية كوركول تتصدرها مشاكل الحي العشوائي الوحيد في المدينة؛ وموسم حصاد زراعي “باهت”.

الحفظ ولد سيدي محمد ولد حيمد؛ 54 عاما؛ مؤسس كزرة “الايزين” بكيهيدي سنة 2009؛ أكد لصحراء ميديا؛ أنه مبعد من نواكشوط إلى كيهيدي منذ شهر مايو 1989 “ولم يجد سكنا ولا تعويضا ولا عملا.. وهو أول من قطن الكزرة الحالية هروبا من تكاليف الإيجار”.

وأضاف ولد حيمد؛ العاطل عن العمل و المعيل لأسرة من 15 فردا؛ أن حاكما سابقا لمقاطعة كيهيدي السابق “هدم بيته 5 مرات؛ في حين هدم نائب الحاكم الحالي منزله وقرابة 59 عريشا منذ أكثر من شهر، “ونحن نصر على السكن هنا رغم صعوبة الظروف”؛ وفق تعبيره.

رائد الكزرة في كيهيدي؛ يقدح في اللجنة المسندة لها مهمة إعادة تأهيل هذا الحي؛ معتبرا أن “لجنة الترقيم تعمل بشكل عشوائي، وعناصرها يسجلون الأعرشة المحمولة ويجتازون أصحاب الأحقية”.. اغرورقت عيناه بالدمع؛ وبالكاد نطق مطلبه الوحيد هو “تشريع القطع الأرضية وإنصاف الفقراء من بطش الحاكم والشرطة”؛ يقول “الحفظ.

آمنة منت سيدي 40 سنة؛ قالت إن مسكنها هدم ثلاث مرات كان آخرها قبل أقل من شهر؛ خبرت كرزة “الايزين” منذ 4 سنوات هي وعائلتها المكونة من ثمانية أفراد؛ قالت لصحراء ميديا إن هناك “قرابة 300 أسرة لم تشملهم عملية الترقيم و التصوير، وقد طرحت قضيتهم في البرلمان دون جدوى”.

منت سيدي؛ المبعدة من الكزرة والتي تؤجر من عائدات “الصباغة والخياطة” منزلا مؤقتا بحي “الجديدة”؛  طالبت بضرورة “إنصاف الأسر الضعيفة والتي لا معين لها” كي يحصلوا على قطع أرضية مرخصة؛ لأنهم سئموا أحياء الانتظار التي “لا تؤمن ابسط مقومات الحياة بما فيها المياه والكهرباء”؛ على حد وصفها.

أحوال “أهل الكزرة” متقاربة؛ رغم اختلافها في بعض التفاصيل الدقيقة؛ فهذه “خدجة مامودو” 49 عاما؛ تقطن مع أفراد عائلتها البالغ عددهم 10 أشخاص في عريشين منذ عامين، قبل أن تهدمهما الشرطة تنفيذا لأوامر لجنة التخطيط.

تحكي هذه السيدة التي تعيل أسرتها من مداخيل مهنة “الصباغة” الذائعة الصيت في كيهيدي؛ بمرارة وانفعال كبيرين كيف أن “منزلها تم هدمه على محتوياته من أفرشة وأوان، وتمنعها فرقة الشرطة المرابطة في المكان حتى من الاقتراب منه”؛ تضيف خديجة.

وتسجل “الصباغة المهمومة”؛ ما وصفته بالتمييز بين المواطنين الذي ترعاه السلطات الإدارية؛ حيث “سمح لبعض الذين هدمت منازلهم بإعادة البناء وحرمنا نحن من ذلك”؛ وفق تعبيرها.

تحلم “خدجة مامودو” بقطعة أرضية تؤكد انتماءها لمدينة ولدت في أحد أقدم أحيائها “ليكل دو”؛ مؤكدة أنها لا تستبعد القيام “بثورة” إذا اقتضى الأمر ذلك لاختبار جدية الرئيس “الذي يدعي انه رئيس الفقراء”؛ بحسب قولها.

حصاد هزيل..

مزارعو كيهيدي البالغ عددهم قرابة 7000 مزارع؛ لهم نصيبهم الوافر من المعاناة؛ وأكثر ما يثير حفيظتهم  ما أسموه “الحصاد الباهت” للحملة الزراعية الحالية؛ ومساحتها المزروعة والتي تبلغ 22000هكتار؛ منها 600 هكتار مخصصة لزراعة الفستق؛ وتعاني عديد المشاكل وفي مقدمتها “الآفات الزراعية والطيور”؛ والتي تضررت منها مزارع منطقة لكصيب1 وفم لكليته؛ بحسب قول المزارعين.

المزارع عبداوه ولد اوبك؛ قال إن مادة “الأرز لم يجن منها شيء، وهناك أسرا زرعت ولم تحصد سوى خنشتين فقط للهكتار الواحد”.

وأضاف المتحدث باسم المزارعين في حديث لصحراء ميديا؛ أن الحصاد؛ الذي وصفه بالهزيل هذه السنة، تعود نتيجته إلى  تأخر انطلاق الحملة الزراعية؛ متهما الدولة بأنها “لم تراع مصالح المزارعين عندما فرضت عليهم دفع مبلغ 70000 أوقية عن كل هكتار؛ مقابل توفير صونادير الأسمدة والري؛ مضيفا أن المزارع كان في السابق “يحصل على ما يقارب 120 خنشة من الأرز عن كل هكتار عند موسم الحصاد؛ وهو ما لن يتحقق هذه السنة”؛ مشيرا إلى أنه ثمة قرابة 3000 مزارع شاركوا في الحملة الزراعية الحالية؛ وقد “ندموا على ذالك”؛ وفق تعبيره.

وشدد ولد أوبك؛ على ضرورة الإسراع في حل مشكل عمال المركز الوطني للبحث الزراعي في كيهيدي؛ حيث أن هناك 20 عاملا تتراوح رواتبهم حاليا مابين 24 و25 ألف أوقية؛ ولم يسدد لهم المركز مستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لسنوات مابين   2008 و 2012 ؛ مؤكدا أن “مشكلتهم مطروحة منذ عام ونيف، دون أن تجد الحل أو يوفقوا في لقاء وزير التنمية الريفية الموريتاني”؛ بحسب قوله.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة