الرأي

للتطرف جذور في موروثنا الاسلامي/ سيدي محمد ولد جعفر

نعيش اليوم في عالم مليء بالملل والنحل والأهواء ، عالم يكتفي فيه كل ذي رأي برأيه ،يتعصب فيه الجل حد الإيمان لأقوال أشياخهم وأئمتهم ، ويعتبرون المخالف ، في أحسن الأحوال مبتدعا، إن لم يكن مشركا خارجا عن الملة بكل ما يترتب على تلك التهمة. أجل لقد ابتلينا نحن المسلمين منذ قرون سحيقة بفكر التنفير والتكفير، من منا لم يُنفر من قراءة كتب المخالفين لإمامه، وأينا قرأ تلك الكتب المخالفة من مصادرها غير المشوهة؟ أو عن طريق خصومها؟ من منا اليوم لا يستطيع أن يصدح بتكفير الفرق المخالفة لإمامه؟
ويجد من يباركون صراخه، ومن يصفونه  بفريد عصره! ومحي السنة بعد أن اندرست؟ مجدد القرن؟ إلى غير ذلك من المعزوفات وكأن إمامه مشرع ورأيه مقدس معصوم من الزلل، و رأي مخالفه في نفس القضية زيغ وضلال ونقض للإسلام ” عروة عروة”.
منذ قرون سحيقة والأمة في الغالب تزرع بذور الشقاق والفرقة ،أجل منذ قرون سحيقة والأمة مُعرضة عن منطوق الآي الداعية إلى وجوب الاعتصام  بحبل الله المتين، وعازفة عن الأحاديث الحاثة على التعاضد والتماسك، المنفرة من التنابز، أجل ليس التنافر والتباغض وليد اليوم ، بل تكاد لألفة والتراحم بين هذه الأمة تكون شذوذا يثبت قاعدة التنافر.ما على المهتم سوى العودة إلى مصادر تاريخنا الإسلامي ، قرنا قرنا ، ثم ليتأمل ذلك الكم من الفتاوى الداعية للفرقة والحَاضة على الكراهية ، بل سيجد كما هائلا من الأقوال المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم  زورا بأن الفرقة كذا مجوس ، والفرقة كذا لا يُعاد مريضها، واليهود والنصارى خير من فرقة كذا، علما بأن كل تلك الفرق تلهج ألسنهم بالإله إلا الله ، العاصمة للدم ،والعرض ، والمال ، كلهم ركعا في المساجد صفا صفا مُيممين وجوهم شرط البيت العتيق نفس القبلة التي يؤمها مُكفرهم، صياما لنفس الشهر،واقفين معناعلى نفس الجبل (عرفة) وعند نفس السفح المعروف (منى) واجبة بٌدنهم على جنوبها، معتقدين مثلهم أن [لن ينال الله لحومها ولا دمائها،] برضا نفس دافعين نفس المبالغ والأعيان من كرام أنعامهم  مطهرين بها أموالهم ومزكين بها نفوسهم كلهم مسبح ومحمدل [قبل طلوع الشمس وقبل الغروب] كل هذه الصفات تجمعهم ومع ذلك كل ذلك لا ينفع ماداموا لا يقلدون فتاوى فلانا ،وينكرون عصمة فلانا ، ويضعفون رواية فلانا ؟
كم من الفتن اندلعت بين أهل الملة إتباعا للأهواء والتقليد الأعمى لمقولة إمام كان  يكره أو يحب فرقة كذا فيُقلد في كل ذلك ويُجعل تصرفه الدنيوي دينا.فكرهه لفرقة كذلك دليل على ضلالها ، وحبه لفرقة كذا دليل على هدايتها تراهم يرددون قال: إمامنا فلانا إذا رأيت أحدا يكره فلانا فأعلم أنه مبتدع؟ فلان لا يحبه إلا صاحب سنة؟ سبحان الله أوصلنا التعصب الأعمى إلى اعتبار حب غير المعصوم دليل على الإتباع وكره غير المعصوم دليل على الابتداع؟ لم يعد الفيصل هو الثابت من أحاديث الرسول الأعظم في تحديد مفهوم الضلالة والهداية؟ لم يعد منذ قرون لحديث [من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله دخل الجنة] أي معنى فلا هي عاصمة للدم ولا العرض! بل أُبدلت بالفرقة الناجية!! التي يحددها كل على مزاجه ووفق مقاساته (كل يعتبر فرقته هي الناجية، ومخالفه في النار).
لم تكن بلادنا بدعا عن هذه الظواهر السلبية في التراث، وليست استثناء  في الحاضر المعاش رغم أن ما شهدت حسب المحفوظ من تاريخها كان في حدود المعقول مقارنة بمناطق أخرى  لها ظروفها الخاصة، ولعل من حسنات حركة المرابطين “إن كانت حسنة أصلا” أنها فرضت بالقوة نهجا واحدا (المالكية) ومكنت له ورسخته في هذه الربوع إلى حد الآن رغم أننا لا نعرف بالتفصيل كم من المخالفين دفعوا حياتهم ثمنا لتلك الحملة العسكرية التي لا تتحفنا المصادر التاريخية الشحيحة عن المستهدفين الذين لم يكونوا جميعا يعبدون أوثانا من دون الله . فقد تحدث المؤرخون عن فرق ثلاث (الأحناف ،الخوارج ، الشيعة) كانت تعمر ما عمر المرابطون من الصحراء الكبرى بعدهم،ومع ذلك ظلت الصراعات العنيفة  بعدهم في هذه الربوع تحدث داخل نطاق منظومتهم الفكرية تلك.
طبول الفتن القديمة الحديثة تقرع هذه الأيام في بلادنا ولم تعد طبولا سياسية حيث نجحنا إلى حد كبير في تجاوز الكثير من تلك المحن والأهوال التي عرفناها لفترة ، لأنها كانت ذات مضامين سياسية سرعان ما قبل الجل من اجل موريتانيا صيغة مقبولة لضمد جراحها بحكمة ،لكن الأخطر هو فتن المعتقد حيث أصبح البعض منا يعزف على وتائر جد حساسة ومأثرة ، يسحون دموعا آثمة غير بريئة على ما يسمونه ثوابت الأمة المعرضة للخطر؟ وكأن للأمة ثوابت غير تلك التي بُعث بها محمد صلى الله عليه وسلم، بالأمس القريب كان المتباكون الجدد يتطاولون على أطواد شامخة في سماء هذه الربوع العلمية ولا يتورعون عن وصفهم بكل القوادح، ويبثون الشكوك حول أحقيتهم بالمكانة التي تبوءوها بل يصفهم بعض المتباكين اليوم بالمهرطقين  والقبورين ،فبذروا في المجتمع بسبب حملة التطاول تلك وأشياء أخرى فكر غلوٍ وتنافرٍ أنتج قتلة باسم الإسلام ، ففزع من نفيرهم آمنون، وعشنا فترة من الخوف قل نظيرها ودخلنا معركة لم ينجل أوارها فانتظرنا سنينا خمسا، حتى نتمكن من أخذ زمام المبادرة وإبعاد شبح ممارسي هواية القتل والترغيب في إباحة دم المسلم المخالف؟ مع خفوت أصوات مدافع الرعب تلك وانحصار الخطر الداهم ،ها هي حناجر تصدح هذه الأيام بوجود عدو داهم بين ظهرانينا قد تكون تلك الحناجر تٌهيئ لخناجر ستُغرز عما قريب في أجسام المخالفين فتنهمر الدماء داخل منازلنا فلا نستطيع سح دموع الحزن الناتجة عن تراخينا في عدم سماع ذلك الصراخ .
غير بعيد منا حيث تجارة الموت باسم الدين رائجة وحيث اختصرت حاجيات أصحاب البطون الغرثى في التحاف السواد وكأنهم عرفوا أياما بيضا منذ سنين؟ اختصرت حاجياتهم في الاستجابة الاجتهادات بشرية مشكوكة المصداقية باعتبارها شرعا منزلا مخالفه مهدور الدم فاعتبرت بيوت من طوب بنيت منذ قرون على أعلام خدموا الإسلام وأهله كثيرا ، وعمروا البلاد أكثر مما عمروها هم ، اعتبروا تلك الأضرحة أوثانا وكأنها سبب المصائب.
هل يستطيع أولئك المتأولون أو المجتهدون حسب ما يعتقدون هدمة القبور إعطاء فرصة لسؤال حول قد يكون وجيها حول لِمَ دفن المهاجرون والأنصار خير البرية في مبنى؟ هل كانوا يجهلون حرمة البناء على الأموات؟ وكيف تواطؤا على دفن صاحبيه غير المعصومين في نفس المبنى دون وصية منه؟ لا شك في أن المهاجرين والأنصار هم من حملوا للناس جميعا هذا الدين كما تلقوه مباشرة من المعصوم وليس من المعقول أن يخالفوه فيحلون ما حرم قبل دفنه.
لا يوجد إمام معصوم ،ولا توجد فرقة ناجية دون غيرها ،كل المسلمين ناجون ونجاتهم لا تتنافى مع عذاب العصاة،في تراثينا كثيرا مما يشجع التنافر والتدابر لنقم بنقد داخلي لتراثنا المستقبلي في ما يتعلق بفكر الغلو نعم إنها طريقة ناجعة لمعالجة رفض الأخر.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة