مقالات

لمصلحة من الترويج لفاحشة “موهومة” في موريتانيا؟!

لمصلحة من الترويج لفاحشة
قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ”.. صدق الله العظيم.
نزلت هذه الآية من سورة النور بمناسبة قصة الإفك الذي رمى به منافقون وبعض المسلمين أمنا العفيفة الطاهرة عائشة رضي الله عنها وعنا؛ في زجر واضح لكل مسلم صادق كي يبتعد عن كل ما من شأنه إشاعة الفاحشة في المسلمين؛ رغم أن قصة الإفك تلك لم تتضمن أي دعوة صريحة ولا حتى ضمنية لإشاعة الفاحشة بين المسلمين؛ وكأن الآية الكريمة تقول لنا متسائلة مستنكرة: “وهل توجد فاحشة أعظم من التحدث بوقوعها بين المؤمنين إن كانت وقعت فعلا؛ أحرى أنها لم تقع أبدا، وما ينبغي لها، وما تستطيع؟!!”
لقد أصبحت أتذكر هذه الآية وتلك الواقعة التاريخية المليئة بالدروس والعبر كل يوم أتصفح فيه مواقع ودوريات الأخبار الموريتانية؛ حيث التنافس المحموم على العناوين المشهرة لحوادث الفواحش والغرائب والشذوذ في مجتمعنا المحفوظ بحول الله؛ فهذا “شاب يغتصب أمه”، و”هذا رجل يضبط ابنه في فراش زوجه”، “وهذه سيدة تتزوج ثلاثة رجال في وقت واحد”، وهذا “يمارس اللواط”، وهذا “يعشق أخته”.. وإلى ما لا يطاله الحصر من عناوين مقززة لأخبار كاذبة، وروايات مصطنعة غاية مبتغاها الإثارة والترويج “بالتي هي أسوأ” ل”مؤسسات صحفية” ظن القائمون عليها أن لا باب بقي مفتوحا للشهرة غير الشذوذ وأخباره، والإفك وأطواره، وهتك الأعراض وأوحاله..!!
والواقع أننا إنما نفترض أن البحث عن “الشهرة” ومضاعفة عدد المتصفحين والقراء هو الذي يقف خلف هذه الموجة من المواضيع المنكرة؛ انطلاقا من “حسن ظن” قد لا يكون في محله؛ إذ إن “أفعال العقلاء مصونة عن العبث” كما يقال؛ والعاقل لا يفعل فعلا إلا ويقصد خلفه هدفا يريد تحقيقه.. فأي هدف أراد إخوتنا بلوغه من وراء نشر تلكم المواضيع الغريبة؟؟
بالتأكيد أنه ليس محاربة الفاحشة ولا فضح ممارسيها؛ وإلا لكانت تلك الروايات تتسع لذكر أبطالها بأسمائهم وهوياتهم حتى يفتضح أمرهم؛ وحتى تجد السلطات العمومية نفسها ملزمة بمحاسبتهم بعد أن صاروا معروفين للجميع؛ لكن الذي يحدث غير هذا؛ حيث تكتفي تلك “الوسائل الإعلامية” بذكر أشخاص نكرات، وعندما تريد إحدى هذه الوسائل أن توهمنا بدقة معلوماتها وصحة أخبارها تستعمل تلك العبارة المضللة الماكرة؛ فتقول “إنها تتحفظ على ذكر الأسماء”!!
ولماذا التحفظ على ذكر الأسماء؟ وهل يعرفون أنه عندما نتحدث كل يوم عن ممارسة الفاحشة في أي بلد ثم نتحفظ على ذكر الأسماء؛ فإننا بذلك إنما نجعل التهمة موجهة للمجتمع بأسره وليس لشخص بعينه؟!
الواقع أنهم في أغلب الحالات يكذبون ويتحدثون عن “وقائع” وهمية من وحي خيالهم المريض؛ وفي أحسن الأحوال نجدهم يستنسخون وقائع منكرة وأحداثا نكرة وقعت في بلاد أخرى؛ ثم يزعمون أنها حدثت في بلادنا!!
فلماذا يفعلون ذلك؟
قلنا إن “حسن الظن” يدفعنا للاعتقاد بأنه “حب الشهرة” ولفت الانتباه ل”مؤسساتهم الإعلامية”؛ وبالتالي زيادة متصفحي مواقعهم الالكترونية ومضاعفة مبيعات صحفهم الورقية؛ في مجتمع لا نستطيع أن نكر حقيقة كونه “مجتمعا فضوليا مغرما بقراءة الغرائب والاستماع لعجائب القول والوقائع”.
لكننا لا نجد ما يمنعنا من أن نفترض أن وراء الأمر خطة و”مشروع عمل” مقصود ومدروس ومأجور من جهات ما (الله أعلم بها) لتدمير مجتمعنا ونشر الفاحشة فيه..
نقول هذا لأننا لم نجد في هذه “الحملة الإخبارية المريبة والمزلزلة” ما يساعد في التصدي للفاحشة وممارسيها؛ بقدر ما وجدنا فيها ما يساعد على نشرها وترويجها و”تطبيعها”؛ لأن التحدث عن الفاحشة بهذا الدفق الإعلامي الجارف وغير الحيي؛ لا شك أن من أبسط نتائجه تشجيع ضعاف العقول والتربية والعقيدة على فعل المنكرات؛ حيث لن يجد الواحد منهم ما يمنعه من مخاطبة صاحبه قائلا: “يا أخي ما المشكل؛ أنت متخلف؛ ألا تقرأ وسائل الإعلام؟ إن مجتمعنا كله أصبح هكذا؛ هذا زماننا.. ومثل هذه الممارسات أصبحت شائعة ولا عيب فيها وربنا رحيم… و(الاخرة مستاخرة)”.. وكثير من إفرازات “منطق” عامي ساذج نعرفه جيدا في مجتمعنا!!
إنك عندما تتهم شخصا معروفا ومعرَفا بممارسة الفاحشة وتعلن ذلك للملأ؛ فإنك تعاقبه وتفضحه إن كان اتهامك صحيحا، أما إن كنت كاذبا فإنك “تنصفه” بأن جعلته قادرا على الدفاع نفسه وأخذ حقه منك لأن كليكما معروف..
أما حين تتهم شخصا دون أن تكشف من هويته سوى أنه “موريتاني أو موريتانية”؛ فإن شعورك بالجبن وضعف الحجة لديك هو الذي يدفعك للقول إنك “تتحفظ على ذكر الأسماء”؛ ولكن غباءك أو فحشك هو الذي يجعلك تنسى أنك اتهمت كل الموريتانيين؛ لأن كل واحد منهم يظل محلا لاحتمال أن يكون هو المقصود.. وبذلك يكون من حق كل موريتاني أن يواجهك ويقاضيك؛ لأن نتيجة ما تنشره هو تشويه صورة الموريتاني لدى الآخرين وتشجيع ضعفاء المجتمع على فعل الفاحشة من خلال الترويج لممارسات ما أنزل الله بها من سلطان!!
من هنا فإنني أدعو كل من له سلطة (عامة أو خاصة) أن يحمل على عاتقه مسئولية التصدي لكل من يعتدي على شرف المجتمع وسمعته أو يدعو (ولو بأسلوب غير مباشر) لنشر الفاحشة بين أبنائه، وأناشد كل الموريتانيين لمقاطعة كل وسيلة إعلام تنشر أخبارا يظهر من تحليلها أن هدفها ليس سوى الإثارة وشد انتباه القارئ والضحك عليه، ومن باب أولى أن يكون هدفها نشر فاحش القول والكتابة والفعل في بلادنا الآمنة المؤمنة؛ إن شاء الله.
ولا أختم قبل توجيه تحية تقدير واحترام للأخ محمد بديوه المدير الناشر لموقع “موريتانيا الآن” على انزعاجه الشديد من ظهور تلك العناوين الفاجرة عبر موقعه المميز؛ حيث أكد لي أنه حريص على أن تظل “موريتانيا الآن” منبرا مفتوحا للترويج للمواقع الموريتانية ونشر أخبارها ومواضيعها دون تمييز؛ لكنه لا يقبل أن يستغل موقعه لنشر الفحش والضلال.. فله تحية كبيرة هو أحق بها وأهلها.
والله يحفظنا جميعا ويرعنا.. ويهدينا سواء السبيل
 
 
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة