تحقيقات

مجمع العيادات.. سُرة نواكشوط ومَجمع متناقضاتها

محمد عالي فتى
غير بعيد من أكثر أسواق العاصمة نواكشوط نشاطا وتقادما “سوق كابيتال“، وفى المنطقة المحاذية لمسجد المغرب، وسوقه جامع المتناقضات، تقع النقطة المسماة تفاؤلاً عند سكان نواكشوطمجمع العيادات” أو “بولي كلينك“.

أنشئ هذا المجمع بتمويل إسباني في ثمانينيات القرن الماضي، ليصبح ثاني مستشفيات العاصمة بعد مركز الاستطباب الوطني أو ما يسميه أهل نواكشوط “الطب الكبير”.

كان هذا المجمع من قبل سرة نواكشوط، قبل أن تمضي العاصمة في اتجاهاتها المجنونة، وتمد أطرافها بعيدا منه، أصبح اسم المجمع أكبر منه، وصفته تدل على نقيضه.

كانت هذه النقطة محجاً ثابتا لكبار الزوار من المملكة الاسبانية، زارها ذات صباح في تسعينيات القرن الماضي الملك الإسباني السابق خوان كارلوس وعقيلته صوفيا؛ بعيدة هي صباحات “كلينك” اليوم من ذاك الصباح.

تقول صباحات “كلينك” إن كل أطراف نواكشوط مازالت تحن إليه، العابرون شمالا وجنوبا، حتما يمرون من هنا، وبعض القادمين من الشرق يعد محطة لهم، مستقرين أو عابرين، أما المساء فترتحل أمة “كلينك” كما أتت، وتتنفس المنطقة الهدوء، لا شيء منظم هنا، غير الفوضى.

قبالة المجمع محطة لبيع البنزين ملاصقة للصيدليات، ومحلات بيع الخشب والحديد، وأمامه أشتات من باعة الفواكه، والملابس المستعملة، وأطعمة جاهزة، مظهرها جدير بسد الشهية، والعزم على الصوم ألف عام.

بعد اختراق طوق طاولات الباعة المفروض ليلا ونهارا على المجمع، وأطلال لباعة يفترشون وبضاعتهم الأرض، تقول اللوحة إنك أمام العيادة المجمعة، فى الظاهر هي كذلك على قبح، وفى الثنايا والغضون لوحات أخرى، فهنا تجتمع ثلاث متناقضات: الطب، والشعوذة والأمراض، ما ظهر منها وما بطن.

يتسور المجمع بأخبية لمدعي التطبيب بالسحر أو الشعوذة، يقول أحدهم وعينه نصف مغمضة، والأخرى أغمضها عور قديم، إنهم يداوون بالقرآن والسنة، ليس في أخبيتهم ما يدل على ذلك؛ “بين هؤلاء والشياطين نسب” هكذا يصيح أحد المارين بجانب الخباء، ابتسامة “الطبيب” الصفراء لم تخف غضبه، كتم حنقه وأحكم إغلاق حرز جديد، وشيعنا باحترام لا ودّ فيه.

الزائرون لهذه المنطقة أنواع، إما قاصد لحاجة، أو عابر إلى طرف من أطراف المدينة، أو مستشف داخل المجمع أو خارجه، أو سارق يترصد ضحيته في الزحمة وأخلاط البشر، وقلة من أمثالي ممن يتصيدون هكذا متناقضات، أو باحث عن سارق، فهنالك من يقولون إن الشرطة تنتظرهم هنا، كما تُنتظر الطياش عند المناهل أزمان التحاريق؛ أصابع النشل السحرية ترقبك دائما وأنت تتجول هنا، قلّ من ينجو منها.. غريبة فعلا هي عوالم “كلينك”.

على رأس العطفة الجنوبية لحائط  “كلينك” مما يلي شارع كندي، نبتت بقعة من القمامة، تبدو أليفة هنا، كل أخذ مكانه في هذا الحيز ورضي به، ربما تكون إحدى نقاط تجميع القمامة المنسية في المنطقة، في وقت تقول المجموعة الحضرية إنها تقوم بحملة نظافة شاملة لمدينة نواكشوط، بدت سُرة نواكشوط هذه ومَجمع متناقضاته غير معنية بحملة المجموعة، كل الأشياء هنا تلوحها سمرة شفافة من جراء العوادم، وتطاير المياه الآسنة، وأرض بليلة ومتسخة، ويد خشنة ترعى المكان.

نمضي ونترك المجمع وعوالمه على أمل لقياه وقد أعد لما أريد له، إن لم تطله يد البيع بالمزاد حال مدرسة العدالة القريبة منه، تركه على هذا الحال يقود إلى ذلك، ألم يقولون “إذا أردت قتل كلبك فاتهمه بالجرب”، كلينك أجرب، وعوالمه جرباء معدية.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة