ثقافة وفن

محاضرة حول الكناشات وأهميتها للتاريخ الثقافي

قدم الدكتور حماه الله ولد مايابا مساء الثلاثاء  بالمركز الثقافي المغربي بنواكشوط محاضرة تاريخية تحت عنوان: كناشة محمد الطالب وأهميتها للتاريخ الثقافي المغربي وذلك بحضور العديد من الباحثين والمثقفين ورجال الاعلام.
وقد استهل المحاضر عرضه بتعريف الكناشات واصفا اياها بانها أسلوب للتقييد لا يخضع لنظام محدد مثل الكتب،و إنما هو جمع وتسجيل لكل ما يراه المقيد جدير بالتسجيل والحفظ، ومن هنا جاءت موضوعات الكناشات متعددة، وإن كان يغلب عليها تخصص وذوق صاحبها، ويطغى عليها ميوله المعرفي لكنها تظل دائما ذات موضوعات مشتتة ومتنائية، دون منهج أو نظام أو ترتيب، ولا يجمع بين موضوعاتها سوى الغلاف في أحيان كثيرة.ولعل هذه إحدى السمات البارزة للكناشات، والتي يمكن أن نجملها في:
تعدد الموضوعات، ففي ورقة واحدة تجد علم الفلك، والرقيا، والطب، والفقه، والشعر…
1-​عدم الترتيب والنظام، فليست للكناشة أبواب أوفهارس، ولهذه السمة صلة وثيقة بسابقتها، ولعلهما يعودان إلى أن الملاحظات تقيد حسب ورودها الزمني، لاحسب اعتبارات أخرى.
2-​الخلو من عنوان، فصاحب الكناشة لا يعطيها عنوانا محددا في الغالب، غير أنه قد يسميها كناشة في ثنايا كلامه، أو تسمى في الأوساط العلمية بتسمية معينة، كالكناشة، أو المجموع أو غير ذلك.
3-​عدم تسمية جامعها في كثير من الأحيان، وإنما يستفاد بوسائط أخرى، مثل مقارنة الخط، أو إفادات أخرى، أو استنباط ذلك من ثنايا الكناشة نفسها.
4-​تعدد جامعيها، فكثير من الكناشات تداولتها أيدي كثيرة، وتناوبها مقيدون متعددون، ويغدو الأمر غير بعيد إذا لاحظنا أن كناشات كثيرة انتقلت – لسبب أو لآخر- من حوزة أحد لغيره، فيواصل الأخير التسجيل بها من حيث انتهى الأول, فتخضع الكناشة لذوق وميول جديدين، فتزداد موضوعاتها المتباينة أصلا تباينا أكثر.
5-​ندرة نسخ الكناشات، فجل الكناشات بخطوط أصحابها، ولا توجد منها نسخ أخرى باستثناء بعض الكناشات ذات الأهمية الخاصة.
6-​غلبة الخط المدمج السريع على الكناشات، ومن هنا كثيرا ما تكون الكناشات كثيرة التصحيف،وصعبة القراءة، لأنها تسويد أولي لم يول عناية كافية. هذه الخصوصيات تستوجب التعامل بحيطة وحذر شديدين مع معلومات الكناشات، وإخضاعها دائما للمساءلة والتدقيق والتحميص.
وهنا أود الإشارة إلى أن هذه الكناشات لا غنى عنها في كتابة التاريخ وتدوين التراث، خصوصا في بيئة تتهم بعدم العناية الكافية بالتاريخ كالبيئة المغاربية.
وللحديث عن أهمية الكناشات أضاف المحاضر انها تأتي مما تضمنته من معلومات نادرة عن أحداث عاشها صاحبها، أو من تراجم لأعلام مغمورة، أو استشهادات من مؤلفات مفقودة، ولاحتوائها لمؤلفات نادرة لصاحبها أو لغيره من سابقيه أو معاصريه.
هذا بالإضافة إلى كونها في الغالب تتضمن معلومات لا تتوفر في الكتب المنشورة لأسباب سياسية أو غير سياسية، حيث أن سرية الكناشة ومحدودية تداولها تتيح لصاحبها إيداعها ملاحظات لا يمكن نشرها، لأن الكناشة في الأصل ليست سوى اختيارات وملاحظات شخصية لم يردها صاحبها إلا لنفسه، غير أنه قد يأتي بعده من يجد أنها جديرة بالاهتمام، كما حصل لمقيدات محمد بن قاسم القصار القيسي (1012 هـ) التي بيعت بعد موته بوزنها ذهبا.(12)
ومن هنا يمكن القول إن الكناشة هي ما نطلق عليه في لغتنا اليوم مصطلح المذكرات، والتي هي في الأساس وسيلة من وسائل التعلم والاستذكار، لهذا تعددت أسماؤها من جهة حيث نجد الدفتر، والتذكرات، والمقيدات والمجموع، كما تعددت أنواعها أيضا حيث نجد كناشات عامة وهي الدواوين المالية والقضائية والإدارية، وكناشات علمية هي التي كنا بصدد الحديث عنها.
وتعد كناشة محمد الطالب بن حمدون بن الحاج (1273هـ) من أهم هذه الكناشات، لما تضمنته من آداب عصرها التي لم تسعفنا بها مصادر أخرى معروفة، حيث تمثلت جل تلك السمات السابقة في مختلف تجلياتها.
وختم حديثه قائلا إن قيمة كناشة محمد الطالب في احتفاظها بهذا الكم الهائل من الشعر المغربي خصوصا والعربي عموما، لشعراء يندر إيجاد شعر لهم في مصادر أخرى، ثم ما تضمنته من إشارات تاريخية معتبرة.
كما تكمن في تأريخها للحركة الثقافية، ومدى الرواج الأدبي في عاصمة الثقافة في الغرب الإسلامي خلال القرن 13 هـ، وتكشف عن مدى تعاطي الآداب في جو ثقافي عرف عنه العزوف عن الأدب.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة