مقالات

مستشار وزير الصيد يكتب: ليكي ناك ؟*

منذ التوقيع في شهر تموز 2012 على اتفاقية الصيد مع الاتحاد الأوروبي ، دارت معركـة طاحنة بين مؤدي  ومناوئي تلك الاتفاقية .
وهكذا وطيلة 14 شهرا حاول الجانب الأوروبي بقيادة ملاك سفن الصيد  الرخوي الإسبان إفشال الاتفاقية حتى كان يوم الثلاثاء 8 أكتوبر 2013 حيث أصدر البرلمان الأوروبي حكمه، إذ صوت هذا البرلمان بأغلبية 424 صوتا لصالح الاتفاقية  مقابل 120 صوت  ضد توقيعها ، فكان ذالك بمثابة حمام بارد لمناوئي  الاتفاقية من الموريتانيين ، مواقف محتشمة وصمت مطبق ، فإلى أي مصير آل هؤلاء الأفراد المعروفين بسرعة الانتقاد ؟ .
لقد حدث فعلا أمر هام يمكننا أن نصفه بالحدث الجلل ، فقد واصل المفاوضون الأوروبيون والموريتانيون على حد السواء طيلة 29 شهرا الدفاع عن اتفاقية  تضمن تكافؤ  الفرص وتمنح مزايا متبادلة بين الطرفين ، فكانت الأولى من نوعها وجاءت النتيجة- تماما كما أردناها- موريتانيا تحتفظ برخوياتها وبمسافة 20 ميلا  للاصطياد في مياهها و بنسبة 60 % من بحارتها على متن السفن الأوروبية  ونسبتها في الكميات المصطادة البالغة 2% ولك أن تصحو وكأنك تغط في حلم عميق .
لقد كانت المفاوضات شاقة وطويلة ، لكن الأمر كان متوقعا نتيجة لجسامة وأهمية المصالح المترتبة على هذا الأمر ، كما كنا نتوقع تلك المحاولات المضنية من الجانب الأوروبي لإفشال الاتفاقية .
ومن جانبي، كنت أتوقع شخصيا قيام حملة مغرضة كما جرت العادة ضدي ، فلم يخنني حدسي ، لقد تكلف وتكفل بعض مجهزي السفن ومن على شاكلتهم  من الصحافة بالمهمة ـ كما كان ديدنهم دائما ـ
فقام هؤلاء بشخصنة الموضوع واعتباره لا يعدو كونه  ثمرة لمخيلة وخيال مستشار فني لا يفقه في الموضوع شيئا  ولا يعي مدى اختلال موازين القوة بين الطرفين ،  وكأنني تصورت وفاوضت ووقعت الاتفاقية  خارج قبة أي مأمورية ودون الرجوع إلى أي مرجعية.
بيد أن أصعب ما واجهت كان عجزي عن استيعاب موقف بعض الموظفين والمنتخبين والأحزاب السياسية على اختلاف مشاربها ، فهؤلاء ـ عكس نظرائهم من أوروبا ـ دافعوا دفاعا مستميتا عن مصالح الخصم  وحاولوا السير في فلك الآخر والتخندق معه ضد مصالح بلدهم ، بعضهم تحدوه مصالح شخصية ضيقة والآخر لاعتبارات وأجندة سياسية  دون الاكتراث -قيد أنملة- بالمصالح العليا للأمة ، فكان أخف الضررين أن ساهم هؤلاء بما أوحوا به من إيحاءات  من ان الموقف الموريتاني سيتغير حتما ولن بصابر و يثابر القائمون عليه في إطالة أمد المفاوضات وزيادة حجم  الخسائر للطرفين .
فظهرت أحزابنا السياسية ومنتخبونا -عكس نظرائهم الأوروبيين- غير مكترثين بالموضوع ، وفي سنة 2012 وعند توقيع الاتفاقية لم يصدر أي رد فعل لا من الأغلبية ولا من المعارضة ، في حين بلغت التعبئة ذروتها في أوروبا  وكان الصمت عندنا صمتا مطبقا .
فتمادت الأغلبية في صمتها المطبق في حين قامت المعارضة بعملها التقليدي المتمثل في محاولة الاكتساب من خلال حركات البحارة ودون الاعتناء بوضعية هؤلاء البحارة ومعرفة ما إذا كانوا سرحوا للضغط أكثر على موريتانيا.
 أعلن بعض المنتخبين ورؤساء الأحزاب السياسية وخاصة من مدينة نواذيبو **دعمهم للموقف الأجنبي ضد موقف موريتانيا  لأسباب ترتبط بأجندة سياسية داخلية هذه المرة ، وتم إبداء هذا الموقف علنا .
إن الأمر لم يكن يتعلق بإنجازات تقليدية ( لنظام ) من واجب المعارضة أن تشكك فيها، لكنه يتعلق باتفاقية حيوية تربط الجمهورية الإسلامية الموريتانية بمجموعة تضم سبعة وعشرين دولة أوروبية.
وآمل هنا أن لا يتجاوز الأمر اختلالا في القدرة على التمييز لا أزيد .
ومن جهة أخرى، فإن الموظفين ـ الذين من المفروض أن يدافعوا عن الموقف الموريتاني الرسمي ـ لم يدافعوا عنه فحسب  بل إن بعضهم -وليس من أدناهم رتبة- لم يتردد لحظة واحدة في إبداء آراء مغايرة كانت في بعض الأحيان أمام نظرائهم الأوروبيين ، وآمل هنا كذلك ألا يعدو الأمر كونه نقصا أو اختلالا في الروح المهنية لدي هؤلاء الموظفين .شكلت كل هذه الإيحاءات المتناقضة الصادرة عن نخبتنا وشخصنة الاتفاقية لتمديد الأمل لدى الطرف الأوروبي المناهض للاتفاقية  بأن يرى موريتانيا تتنازل عن موقفها  ، لكن هيهات لم تجري السفن بما يشتهيه هؤلاء ، لكن الضرر الناجم عن إطالة أمد المفاوضات كان فادحا بالنسبة للطرفين .كان لزاما علينا خلال فترة التسعة والعشرين شهرا من التجاذبات  أن نمتص ضغط بروكسيل و مجموعة 27 دولة أعضاء وحلفائها ، لكن كان لزاما علينا كذلك وفي نفس الوقت وبنفس القدر  أن نناضل ضد خندقنا الطرف الموريتاني ـ لإيقاف الإيحاءات المناهضة للموقف الموريتاني  ـ فلكم كانت الوضعية  هنا مستعصية .بيد أنه في النهاية لم تتنازل موريتانيا عن موقفها  فجاءت النتائج حقيقية ملموسة وأصبحت الاتفاقية مثالا يحتذى به في شبه المنطقة ، لأنها أخذت في الحسبان تسييرا مستداما للموارد ومصالح سكان أصليين خاصة الشريحة الهامة للصيادين التقليديين والبحارة وغيرهم من الفئات المهنية المعنية . فإلى أي مصير آلت اليوم نخبنا المعروفة بتسرعها في انتقاد اتفاقية يبدو أنها تجهل كل مقتضياتها وحيثياتها ؟ .لكن الأمر غير مهم، المهم أننا نتوفر على اتفاقية توفر أكبر قدر من المساواة سنشمل شركائنا الآخرين بنموذج منها.
ألم يقبل الروس بنفس الشروط الفنية وبإتاوة مبلغها 123 يورو للطن المصطاد الذي كان يمنح لهم من قبل بثمن بخس يصل إلى بمبلغ 20 دولار ؟ . ألم يقبل الصينيون بالتفاوض من جديد حول ما بات يعرف باتفاقية هوندونغ  المثيرة للجدل  لجعلها ذات مصالح مشتركة؟
ألم يأتي اليابانيون الى نواكشوط بدل البقاء في طوكيو للتفاوض لأول مرة لتجديد اتفاق حول صيد سمك التون الذي لم يخضع خلال العشرين سنة الماضية  لأي تعديل ؟
وإحقاقا للحق، فإننا نقول بأن المفاوضين لعبوا دورهم لكن كانوا معرضين بأن تعصف بهم العاصفة لولا الدعم الذي تلقوه خاصة من:
ـ أولا رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز  الذي لولاه ما رأت الاتفاقية النور والذي حاول الوزراء الأوروبيون وبعض ( كبار المخططين الموريتانيين ) ثنيه عن موقفه ، لكنه ظل صخرا صامدا في وجه تلك المحاولات ، ولدرايته الكبيرة للأسباب التي تقدم بها كل على حده ، بقي موقفه ثابتا منذ الدعم الذي أعلن عنه بحر شهر أغسطس 2012 في مدينة أطار .
ـ ثانيا بعض منظماتنا المهنية العاملة في القطاع ، وخاصة الاتحادية الوطنية للصيد التقليدي الذي قام رئيسها السيد سيد أحمد ولد عبيد بحملة واسعة النطاق في مدينة نواذيبو وفي أوروبا  ولجنة البحارة وقبطان الصيد التقليدي الذي بدى رئيسها السيد هارون إسماعيل لباي نشطا في نواذيبو لكسب الدعم للاتفاقية وكذا الاتحادية الوطنية لوسطاء الصيد التقليدي الموريتاني .
ـ ثالثا المنظمة غير الحكومية CAPE ( ائتلاف اتفاقيات الصيد المتساوية ) بإشراف من الناشطة بياتريسكوريز منسقتها . وكذلك منظمة WWF .
ـ رابعا السياسة الجديدة التي أبدتها بروكسيل  والرامية الى وجود اتفاقيات أكثر مساواة  والتي ـ ويجب التنويه بذلك ـ كان من المفروض أن تساهم بشكل معتبر في تسهيل عمل المفاوضين لولا المعوقات التي وضعتها اللوبيات الإسبانية والهولندية على وجه التحديد  .
واليوم وبفعل الإرادة السياسية الجديدة في النهوض بقطاع الصيد ، فإن كل طرف يجد مصلحته في هذه الاتفاقية التي تتسم بالمساواة مع أنها مازالت بعيدة من الكمال ، والتي رغم ـ ادعاءات المشككين ومناورات المناوئين بمختلف أطيافهم تجد موريتانيا هي الأخرى مصلحتها فيها وهي التي كانت إلى تاريخ قريب أكبر الخاسرين فيها .
الشيخ بايه
 
مستشار فني لوزير الصيد والاقتصاد البحري
 
المفاوض الرئيس لاتفاقية الصيد بين الجمهورية الإسلامية والموريتانية والاتحاد الأوروبي.
هذه اللفظة باللغة الولفية تعني انياو؟ و باللغة العربية لسكان ولاية اترارزه على ضفاف النهر تعني هذه الكلمة والآن ؟
 
**لقد تجرأ بعض هؤلاء المنتخبين اليوم على طلب أصوات هؤلاء السكان الذين عملوا علنا وبشكل مفضوح ضد مصالحهم . ياللعار ! ألم تعد الرذيلة تقتل ؟ .
 
 
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة