مقالات

معركة الحجاب من “قاسم أمين” إلي ” خان نظمة”

قبل أكثرمن قرن وعقد من الزمان أصدر الكاتب المصري قاسم أمين كتابه الشهير “تحريرالمرأة ”  كان ذلك سنة 1899    وفي السنة الموالية مباشرة أتبعه بكتابه الأقل شهرة والأكثر جرأة “المرأة الجديدة”.  وقد أشعل الكتابان منذ ذلك التاريخ معركة “داحس والغبراء” بين النخب العربية حول دور المرأة ومكانتها في التشريع والمجتمع، واتسعت تلك المعركة بعد ذلك وتعالى لهيبها لتصبح حربا ثقافية كبرى تشعل ساحات الدين والسياسة والأدب والمجتمع.

إذا قلبنا صفحات كتابي قاسم أمين بمعاييرنا اليوم فلن نجد فيهما ما يدعو إلى الإستغراب ويستثير كل تلك الضجة التي وجه بهاالكتابان وصاحبهما :  إعطاء الحق للمرأة في اختيار زوجها بدون أكراه، منع زواج القاصرات، السماح للمرأة بالتعليم ولكن فقط حتى المستوى الإبتدائي!
تلك هي الأفكار الكبرى التي تدور حولها كتابات “قاسم أمين” لكن تلك الأفكار – على تواضعها –   كانت تشكل، بمعايير ذلك الزمان تهديدا للدين ونسف اللأخلاق ودعوة للفجور.
كان الرجل يدرك أنه يتحرك داخل حقل من الألغام الدينية والإجتماعية لذلك كان يمشي فوق رؤوسأ صابع قدميه ويتحرك ببطء وحذر، في الحدود الدنيا التي تسمح بها الثقافة العربية الإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر، وفي أفق تصالحي مع المجتمع وإصلاحي له في نفس الوقت، ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

لم يكن قاسم أمين مفكرا ثوريا بل كان مفكرا إصلاحيا، وكان أكثر من ذلك مفكرا إصلاحيا محافظا، ينتمي إلي يمين الحركة الإصلاحية العربية التي تتحاشي الصدام وتهرب من المواجهة والتي تقوم استراتيجيتها علي السير البطيئ في الإصلاح والتدرج في قطع المراحل حتى لاتكبو أو تتعثر أو تتراجع،  ولم يكن خطابه ببعيد عن خطاب الإمام الأكبر محمد عبده الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة، عندما كان هذا الأخير منفيا في فرنسا، وكان قاسم أمين يقوم في أحيان كثيرة بدور المترجم الخاص للإمام، لذلك لم يصطدم قاسم  أمين بالثوابت الدينية المقررة في الشريعة الإسلامية، وحاول أن يهز العادات الإجتماعية هزا خفيفا، صحيح أنه حارب البرقع أوالنقاب وانتقده بحدة، وأعتبره عادةاجتماعية ليست من الدين الحق في شيئ ونادي بالسفور ولكنه لم يدع إلي التبرج بل علي العكس من ذلك نادي “بالتوسط بين تكشف نساء الغرب وتحجب نساء المسلمين ويتحقق ذلك باللجوء إلي” الحجاب الشرعي”، حسب قوله.

أما بالنسبة لتعليم المرأة فقد كان موقفه مترددا وحتى محابيا للوضع القائم، فهو وإن نادي بفتح أبواب المدارس أمام البنات للدراسة فيها، إلاأنه كان يدعو إلي الإكتفاء بالحدالأدنى من تعليمهن، والإقتصار علي المرحلة الإبتدائية، التي تعلمهن مايحتجن إليه لمساعدتهن علي تربية الأطفال وإدارة شؤون البيت !  ذلك لأن المرأة  – حسب قوله –  لايمكنها ان تدير منزلها إلا بعد تحصيل مقدار معلوم من المعارف العقلية والأدبية.

ومع ذلك فقد كان قاسم أمين أول من تجرأ علي طرح هذه الأفكار التي جوبهت بقوة من طرف قطاعات واسعة من المجتمع التقليدي لكن النخبة الصاعدة في المجتمع، تقبلتها بقبول حسن وأنبتتها نباتا حسنا، ولم تكد تمض سنوات قليلة علي صدور الكتاب حتى ظهرت جريدة “السفور” بعنوانها المستفز والصادم، رافعة شعار تحرير المرأة، وبدأت تتشكل الحركة النسائية العربية الأولي بقيادة “صفية زغلول”   و” هدى شعراوي ” و” سيزانبراوي” و  ” نبوية موسي ” ( أول مصرية تحصل علي شهادة البكالوريا)، وغيرهن من اللواتي رمين البرقع والنقاب تحدت أقدامهن،ولسان حالهن يردد مع الشاعر العراقي المشاكس “صدقي الزهاوي”، صاحب ملحمة ” ثورة في الجحيم”   فيرده علي ” منكرونكير”:

قال هل في السفور نفع يرجي            قلت خير من الحجاب السفور
إنما في الحجاب شلل شعب            وخفاء وفي السفور ظهور
كيف يسمو إلى الحضارة شعب        منه نصف من نصفه مستور

غير أن الدفعة القوية لتيار السفور جاءت مع وصول” كمال أتاتورك” للسلطة في تركيا حيث ألغى الخلافة العثمانية سنة 1924،وتبنى العلمانية شرعة ومنهاجا، وعمل علي فصل تركيا عن ماضيها الإسلامي وجوارها العربي فبدأ بكاتبة اللغة التركية بالأحرف اللاتينية، وحرم الأذان للصلاة باللغة العربية ومنع لبس الحجاب وفرض الإختلاط بين الجنسين، وساوى بين المرأة والرجل في الميراث ..إلخ،

وبعد القضاء علي الخلافة الإسلامية بست سنوات فقط صدر في تونس كتاب الطاهرالحداد “أمرأتنا بين الشريعة والمجتمع” ( ولد الطاهر الحداد في نفس السنة التي نشر فيها قاسم أمين كتابه “تحريرالمرأة”)، فأحدث هزة عنيفة في المجتمع التونسي، وصل صداها إلي كل من المغرب الأقصى والجزائر، وتوالت ردود الفعل على الطاهر الحداد بالفكر حينا وبالعنف والتكفير في أكثر الأحيان، وربما يكون قد فوجئ بقوة وشراسة ردود الفعل علي كتابه، مما أصابه باليأس والإحباط، وأغلب الظن أن ذلك كان سببا من أسباب موته المبكر وهو في قمةعطائه الفكري وحماسه السياسي ونشاطه النقابي، ويعود الفضل للطاهر الحداد في كل ماحصلت عليه المرأة التونسية من مكاسب إجتماعية وسياسية بعد أن استلهم بورقيبة من كتابه “امرأتنا بين الشريعة والقانون” الأفكارالعامة “لمدونة الأحوال الشخصية ” في تونس. 

تمثل حقب الستينيات والسبعينيات في العالم العربي العصر الذهبي للسفور بدون منازع، علي الأقل بالنسبة للنساء المتعلمات اللواتي ينتمين للطبقتين العليا والمتوسطة فيالمجتمع،وهو ما تعكسه سينما تلك الفترة خصوصابعض أفلام فاتن حمامة مثل  ” الإعتراف ”   و ” سيدة القصر ”   و” الباب المفتوح “، وكذلك جمهور سهرات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ.
ولايمكن فصل ظاهرة ” السفور” وانتشارها أفقيا وعموديا، عن السياسات التغريبية على الصعد الثقافية والإجتماعية والإقتصادية التي كانت تنتهجها الأنظمة الحاكمة في عالمنا العربي في الفترات التي أعقبت الإستقلال.

غيرأن المد ” السفوري “سيبدأ في التباطئ شيئا فشيئا بعد نكسة حزيران  67 التي يعتبرها البعضا لبداية الفعلية للصحوة الإسلامية الجديدة في مصر، قبل أن تنتشر بعد ذلك وتعم بقية العالم العربي .

وكما جاءت الدفعة القوية لتيار السفور من خارج العالم العربي ( مع كمال اتاتورك سنة 1924 )  فقد جاءت الدفعة القوية لتيار الحجاب أيضا من خارجه خصوصا مع نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979 التي كان “أتشادور ” أحد أهم رموزها الثقافية وأدواتها النضالية لـ ” تصدير الثورة “ومقارعة ” الشيطان الأكبر ” ،وستتلوها – ولو بعد فترة – دفعة أخري لاتقل أهمية عندما تدخل “مروة قاوقجي”  مبني البرلمان التركي سنة 1999   باعتبارها أول نائبة تركية تخرق أعراف العلمانية التركية المتشددة بلبسها الحجاب، وتجلس في نفس القاعة التي أعلن منها أتاتورك قرار منعه قبل ذلك بثلاثة أرباع القرن.

ولقد لعب ” الأفغان العرب ” هم الأخرون دورا لا يستهان به، في نشر ” البرقع ” أو ” النقاب ”  في الأصقاع الأوربية إثر لجوئهم هم وزوجاتهم إلي أوربا بعد انسحاب السوفيت من أفغانستان، مما تسبب في شن حرب أروربية بقيادة فرنسية علي الحجاب واتساع ظاهرة الإسلامفوبيا التي تخلط بين الحجاب والإرهاب وكراهية الإسلام .

أما في البلاد الأنجلوسكسونية فقد كانوا أكثر تسامحا مع الحجاب، فلم ينظرواإليه بعين الريبة والشك ولم يعتبروه شعارا سياسيا ولا رمزا دينيا لجماعة تكفيرية متطرفة، كما فعل بعض الأوروبيين، بلإن سيدة أمريكا الأولي  “ميشيل أوبما ” وضعت الحجاب ذات يوم علي رأسها خلال زيارتها لأحد المساجد في أندنيسيا سنة 2010  كما أن الأميرة ” كيت ميدلتون” زوجة الأمير “وليام” أرتدت هي الأخرى الحجاب عندما زارت مسجد ” أسياكيرين “في العاصمة الماليزية ” كوالالمبور ”  سنة  2012  وقد ساهم هذان الحدثان اللذان تناقلتهما وسائل الإعلام العالمية في حينهما– خصوصا الصحافة النسائية  التي تتحدث عن الموضة – في تقديم صورة أخري للحجاب تختلف عن الصورة النمطية التي كرستها وسائل الإعلام الأوربية لشيطنة الحجاب .

غيرأن الحدث الأهم في مسيرة الحجاب والذي يمكن وصفه بالتاريخي،هو ماقامت به الأمريكية من أصول بنغلادشية  “نظمة خان”   من دعوة لتأسيس” يوم عالمي للحجاب”   يتم الإحتفال به في مفتتح فبرايرمن كل سنة ،وتقوم فيه النساء – مسلمات وغير مسلمات –  بلبس الحجاب، وذلك علي غرار اليوم العالمي للمرأة، واليوم العالمي للطفل،واليوم العالمي لحقوق الإنسان . واليوم العالمي للبئة ..إلخ .  ولقد لقيت دعوتها رغم حداثتها إقبالا منقطع النظير في السنوات القليلة من عمر الدعوة، ويتم الإحتفال بهذااليوم في كثير من دول العالم في أوروبا وأسيا والإمريكتين، وكان مناسبة للكثير من النساء المسلمات في الغرب اللوات يدخلن الإسلام حديثا للتعرف علي الحجاب ولبسه لأول مرة، بعد أن كسرن حاجز الخوف الذي كان يحول بينهن وبينه، بعضهن أصبحن يلبسنه بين الفينة والأخرى والبعض الأخر قطعن العهد علي أنفسهن أن يلبسنه مدي الحياة بعد أن وجدن فيه معني روحيا أبعد من تغطية الرأس، كما أن منهن من قلن بأن الحجاب أنقذ حياتهن من المخدّرات والكحول وارتياد الملاهي الليلية، وجعلهن أكثرثقة بأنفسهن .

أما بالنسبة لغيرالمسلمات فقد اعتبرته بعضهن جذابا ومثيرا للإهتمام، ولم يكن مخيفا كما كان يخيل إليهن قبل أن يجربنه مع ” نظمة خان ” والأغرب أن منهن من قادها الحجاب لاعتناق الإسلام ! 

لم تعد فكرة ” نظمة خان ”  التي اطلقتها من مدينة نيويورك سنة  2011  مجرد فكرة افتراضية علي الشبكة العنكبوتية، بل تحولت إلي احتفالية سنوية، تجري فعالياتها في  كثيرمن بلدان العالم ( تم الإحتفال به هذه السنة في 140  دولة )   ولم تعد الفكرة أيضا حكرا علي “نظمة خان ” بل تلقفتها ناشطات مثقفات، من طبقات اجتماعية مختلفة، أغلبهن دخلن الإسلام حديثا مثل ” نسيبة غريغوريماسياس ” الكوبية، و ” ديانافونتس  ”  الكولومبية  ” و” لينداسرسور ” الفنزويلية وغيرهن . كثيرات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا ..

إنها حركة ” فيمن ” جديدة لتحرير المرأة الغربية  والدفاع عن حقوقها ،سلاحها الحجاب،وليست الصدورالعارية !
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة