تقارير

مكفولة بنت احمياده فنانة تحيل الحجر الأخرس روحا طافحة بالحياة والإبداع

مكفولة بنت احمياده فنانة تحيل الحجر الأخرس روحا طافحة بالحياة والإبداع

أب يرقص بقدميه وزوج يرقص بالألوان

نواكشوط – محمد ولد زين

ما كان  لـ”مكفولة منت احمياده” ابنة  أحد أشهر راقصي “الدكداكه بالبندقية” في منطقة آدرار؛ أن تتخيل أنها ستغرد بعيدا خارج سرب الأسرة؛ لتقرأ بعضا من ملامح موهبتها بين ثنايا رتوش فنان تشكيلي قدر له فيما بعد أن يكون زوجها.

مكفولة  38 عاما؛ نحاتة استوحت بداياتها من موسم “الكيطنة” في واحات آدرار، عندما فكرت أنه ما كل رطب جني مصدره النخيل، فأرادت أن تبتكر من وحي الطبيعة تمرا وبلحا فكانت صفائح جبال آدرار وجهتها ، لم تستسغ الأسرة يومها طموح الفتاة لقناعتهم أنها “لن تجني من الصخر تمرا”.
مضت “مكفولة” خلف خيالها المجنح إلى سفح الجبل؛ وهناك اختارت ما رق من الحجارة وسهل تطويعه، لتحول صفيحة جبلية إلى “تمرة زاهية اللون”؛ غير صالحة طبعا للاستعمال؛ ومن ثم كان عليها أن تستخدم سعف النخل علها تبتكر سكنا يحتضن موهبة ينظر إليها الأهل بكثير من الريبة، ويصفها زوج اليوم بـ”الأفكار المجنونة”.
صيف العام 1999 أكملت مكفولة تجربتها الأولى بنجاح بإنجازها عريشا “محمل” من سعف النخل، قبل أن تستخدم علبة حليب لتقريب صورة الخيمة مستخدمة صفائح حجرية يطلق عليها محليا ” ايزيواز”.
غير أن الفتاة الطموحة؛ أحست أنها تكتشف عالما جميلا غريبا عليها، لكن سلاحها يكمن في تجسيد كل الأشياء الطبيعية في محيطها ومنه بالطبع “دار آدرار القديمة”، هذا المجسم الذي اشتراه السفير السابق محمد سعيد ولد همدي تشجيعا لها وهو “المصنوع من صخرة عين الشمس الناصعة البياض”؛ تقول مكفولة.
مرت سنوات وتم شد عضد “النحاتة” بزوجها الفنان التشكيلي  اعل الكوري ولد حمبل؛ الذي لا يخفي استغرابه من أفكار مكفولة في البداية قبل أن يهذبها لتصبح في “نسق جمالي يعينها على اجتياز تأتآت البداية ودخول عالم التسويق من بابه الواسع”؛ يقول الفنان المدخن.
عندما تبدأ “مكفولة” تحويل أفكارها إلى مجسمات في ورشتها التي اتخذت مكانا قصيا من منزلها في مقاطعة تيارت؛ شمالي نواكشوط؛ تشرك أفراد عائلتها عل عدوي النحت تنتشر بينهم ليشارك الجميع في تحضير عملية الولادة العصيبة والتي تتم بوسائل بدائية جدا تعتمد الكماشة والمطرقة وأنواع منوعة من الصباغة وخمسة ألوان من التربة، رغم تأكيدها علي أن البحوث العلمية أثبتت أن التربة الموريتانية تتلون بـ 16 لونا بالإضافة إلى الاسمنت الأبيض “ابلاتر” و “مصتيك”.
 تتوافر هذه العينات مجتمعة لتكون السر الدفين لأعمالها التي تتنوع من المجسمات؛ الألواح؛ القدور؛ الخيام ؛المدن؛ المنارات؛ اطبك التكلاع ؛ازريق ودار أطار القديمة؛ فضلا عن المسبحة والقلائل.
 
جهد المقل..
“صحراء ميديا” زارت مكفولة في ورشتها بالمنزل لتتعرف على طريقة عملها؛ وقد لاحظنا أن الأعمال النحتية لهذه السيدة مطبوعة بالبيئة التي تربت فيها مع مسحة تراثية تعطي للإبداع رونقا جماليا خاصا؛ فعندما تتلمس لوحة “منارة شنقيط” التي انتهت النحاتة للتو من ترصيعها على قطعة قماش بمقاسات 30-40 سنتمترا، وقد كلفتها 1200قطعة صغيرة من أحجار صخرية ناعمة يمتزج فيها اللون الأصفر بالأحمر؛ ويبلغ وزنها 200 غرام؛ وهى الأغلى سعرا من بين نظيراتها ويكثر عليها الطلب من لدن الأجانب؛ تحس أن هذه الفنانة تنسج عملا فنيا صرفا  لا مكان فيه للصدفة.
“منارة وادان”؛ لا تخلف عن سابقتها إلا بمميزات معدودة منها أنها أنجزت بـ 800 قطعة صخرية صغيرة ذات لون  أحمر قان ممزوج بالسواد؛ ويبلغ سعرها 50.000 أوقية؛  أما “منارة تيشيت” بحجارتها الخضراء فتتحد مع سابقتيها في المقاسات وتختلف في الوزن؛ إذ تزن هذه اللوحة 300غ ؛ وعلى العكس تأتي “منارة ولاته”  الأقل وزنا بين لوحات منارات  المدن القديمة في موريتانيا بـوزن 150 غراما فقط؛ والمميزة بفضل حجارة “الزعرون”؛ وهي عبارة عن كتلة من التربة تقع في الوسط مابين الحجر والرمل؛ وفق تعبير مكفولة.
عندما تسأل “النحاتة” والأم لخمسة أطفال؛ عن عائداتها من هذه المهنة تجيبك بأريحية “أعمالي صعبة الانجاز؛ لكن الاقبال على اقتنائها مقبول”؛ ولا تنسى منت احمياده أن السفير ولد همدي كان زبونها الأول؛ وهي اليوم أصبحت تنتج تحت الطلب كما هو الحال مع مشروع الحجارة المصنعة الذي تقدم إليها بطلب لانجاز 30 محفظة مكتبية؛ وزعها المشروع فيما بعد على مكاتب الوزراء؛ الذين لا تذكر مكفولة أي دعم منهم خاصة وزارة الصناعة والسياحة.
وتفتخر النحاتة الهادئة؛ أن إبداعاتها تجاوزت حدود الوطن؛ وتم عرضها في باريس؛ روما؛ تونس؛ داكار؛ وشنغهاي الصينية؛ التي أنجزت لصالح معرضها الموريتاني مجسمات للمدن التاريخية الأربعة بآثارها العلمية وحيواناتها ؛ واستغرق منها ذالك عملا متواصلا دام شهرين؛ وكلفها قرابة 350 كغ من الحجارة؛ وتقاضت عنه ما يزيد على مليوني أوقية.
وتعدد منت احمياده حصيلة عقدين من العمل؛ فتؤكد أنها أنجزت أكثر من 40 منارة لشنقيط بيعت الواحدة منها ب 50000 أوقية؛ وأنجزت قرابة 10 نسخ من “دار أطار القديمة” بيعت الواحدة منها ب 30000 أوقية؛ و ما يزيد على 100 طبق من التكلاع  في أشكاله الثلاثة التي يتراوح سعرها ما بين 20 و  50 ألف أوقية؛ وقد استوحته من انقلاب 2005 الذي أنهى حكم ولد الطايع؛ ولا تذكر السبب؛ ولم يتجاوز الطبق يومها سبع تمرات عكس اليوم؛ وغيره كثير.
المفارقة الوحيدة التي لا تفارق ذهن مكفولة؛ كونها لجأت في إحدى المرات لانجاز قلائد نسائية خفيفة من “بعر الإبل”؛ وتمت صباغتها؛ واقبل السياح على شرائها، رغم سعرها المرتفع 40.000 أوقية للواحدة؛ لكن حظ سائحة فرنسية لم يكن سعيدا إذ تكسرت قلادتها وعادت تأسف للنحاتة الموريتانية وتتوسل إليها أن تصلح عقدها؛ ابتسمت مكفولة وأخذت “بعرة” ونحتتها وقامت بثقبها على مرآى من السائحة وأكملت العقد وسلمتها القلادة الجديدة وسط اندهاش السائحة الفرنسية.
ما لا يعلمه الكثيرون أن النحاتة مكفولة منت احمياده تنجز غالبية أعمالها في البدء علي الحجارة و الصخور قبل تحويلها إلى لوحات مرضعة علي القماش في تزاوج فريد بين “الفن التشكيلي والنحت”؛ وللناس فيما يعشقون مذاهب.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة