مقالات

ملاحظات حول الوساطة الموريتانية في غامبيا

لا مندوحة من الاعتراف أن الجهد الذي قامت به موريتانيا ممثلة في رئيسها لنزع فتيل الحرب أو التدخل العسكري في غامبيا والذي كانت تنوي المجوعة الإفريقية القيام به، جهد يذكر فيشكر و نجاح ديبلوماسي موريتاني مميز. إلا أنه مع ذلك يثير الكثير من الأسئلة المهمة، خصوصا أن هذه الوساطة قامت  بمشاركة من غينيا التي كانت من الدول التي ترى التحري والانتظار من طرف المجموعة الإفريقية في مقابل  الدول التي كانت مصممة على دفع الرئيس جامي للتنحي أو التدخل العسكري و من ضمنها السينغال و نيجيريا، فقد لعبت السينغال الجار الوحيد و الحصري لغامبيا دورا بارزا في الحشد العسكري و استطاعت استضافة الرئيس الجديد بل و قام بمراسيم التنصيب في سفارة غامبيا في داكار الشيء الذي انتج استقطابا ذا حدين :دول الاكواس و العالم مدعومة من قرار أممي يطالب جامي بالتنحي الفوري و يرخص للإكواس في التدخل إن  احتاج الأمر إلى ذلك ، في مقابل دول تريد حقن الدم الإفريقي و تريد نهاية سليمة ليحيى جامي و خروجا مشرفا له بكل ما سيخرج به من خيرات الشعب الغامبي و أمواله و دمائه.

تدعيم الديمقراطية و دعم غامبيا الجديدة :

منذ البداية سعت السينغال و دول الإكواس إلى دعم التغيير الديمقراطي في غامبيا حيث دعمت المعارضة منذ بداية الحملة الانتخابية نتيجة علاقاتها الباردة أو السيئة مع يحيى جامي المعروف بالمزاجية و الارتجالية في علاقاته مع جيرانه و خصوصا السينغال التي تعد الدولة الوحيدة الجارة لغامبيا و التي تربطها علاقات شد و جذب مع غامبيا و سبق لها التدخل 1981 لإفشال انقلاب عسكري فيها بعملية خاطفة دعمت بها حكم كايراباجاوارا ، و قد اتسمت علاقاتها مع جامي بالشد و الجذب حيث  أهتم أكثر بعلاقاته مع موريتانيا و دعمها و اقام علاقات متميزة و صداقة حميمة مع الرئيس محمد ولد عبد العزيز و الذي هو الآخر مد له يد المساعدة بواسطة نفوذه و نفوذ الجالية الموريتانية في غامبيا و دورها الاقتصادي المميز في تلك الدولة ، و قد حافظت موريتانيا على المقاربة التي عمل عليها النظام زمن معاوية و هي محاولة معادلة الكفة مع السينغال بواسطة التحكم في  خاصرته الرخوة أي غامبيا و دعم الجبهة الانفصالية في كازاماس و إن كانت هذه المقاربة التقليدية نجحت ايام الأزمة في 1989 إلا انها لم تكن ناجعة في الفترات الأخرى و التي فرضت التقارب الموريتاني السينغالي خصوصا ايام أزمة انقلاب ولد عبد العزيز على سيدي ولد الشيخ عبد الله و المظاهرات التي قامت بها الجبهة الداعمة لسيدي آنذاك فلم يجد الرئيس الجديد آنذاك من دعم سوى في الجارة القريبة السينغال و التي قاد رئيسها وساطة افضت إلى اتفاق دكار الذي لم يطبق منه الرئيس الجديد سوى الانتخابات و لم يطالبه واد بسواها .

الوفاء للحليف و الإشراف على ترحيله :

منذ البداية دعمت موريتانيا حليفها يحيى جامي و الذي ساعدته مرات عديدة في تثبيت حكمه ( بل وصل الامر مرة إلى تدخل موريتانيا بقوات خاصة لإفشال انقلاب قبل فترة وجيزة حسب بعض المصادر الخاصة ) ، لذلك عندما قامت ازمة الانتخابات و اختار الشعب الغامبي في بادرة شجاعة و مفاجئة مرشح المعارضة و في اولى مواقفه اعترف جامي بنتيجة الانتخابات و عبر عن استعداده لتسليم السلطة للرئيس الجديد ، لكن فرحة المعارضة و نشوتها بالنجاح حدت ببعض رموزها للتصريح بإمكانية محاكمة جامي على جرائمه الكثيرة –و كانت خطوة استعجالية فجة – جعلت جامي يقلب ظهر المجن لكل اعترافاته و تصريحاته و يعلن عن عدم اعترافه بالنتائج . في تلك الأثناء ارسلت موريتانيا مبعوثا خاصا هو الوزير مولاي ولد محمد لغظف لجس نبض الأطراف فلم يستطع فتح قناة مع المعارضة الفائزة و بدت موريتانيا و كأنها تشجع جامي على التمسك بالسلطة و في نفس الوقت تضع نهاية لبعض الملفات الخاصة في غامبيا من خلال سحب الكثير من الوثائق لتعاملات مشتركة بين الرئيسين ربما لا يريدان إطلاع الراي العام عليها.

و عندما تفاقمت الأزمة و بعد التعامل الفج و الغير لائق الذي عامل به جامي وفد الوساطة الإفريقية و الذي لم يجلب له سوى عداوة و تصميم تلك المجموعة على إزاحته من الحكم و لو بالقوة ، و قد اتخذت مجموعة الأكواس كل التدابير اللازمة لذلك فاستضافت الرئيس الجديد و المعارضة الغامبية في السينغال و شكلت قوة للتدخل في حال رفض جامي للانصياع ، و كذلك استطاعة أن تجد دعما دوليا و قرارا من الأمم المتحدة ما جعلها تشكل عبئا ثقيلا و قوة سياسية كبيرة للضغط على جامي المشاكس و الذي رفض حتى تلك الاثناء مناقشة الرحيل بل اعلن حالة الطوارئ من خلال البرلمان و بدا الاستعداد لأسوأ الاحتمالات ، في تلك الفترة بدأت وساطة الرئيس الموريتاني  ولد هبد العزيز و التي بدت كآخر فرصة قبل التدخل من طرف الأكواس و التي ما لبثت ان انضم لها الرئيس البيساويكوندي و قاد الرجلان وساطة اللحظة الاخيرة و التي أفضت إلى ترحيل جامي إلى غينيا الاستوائية و التي اختارها عن الدول الأخرى لأنها توافق مزاجه و غير موقعة على المحكمة الدولية و لها حكم منذ عقود من الزمن و لا تهتم كثيرا بصرعات الديمقراطية الجديدة .

موريتانيا بين الربح و الخسارة :

 وفق الرئيس الموريتاني في وساطته فاستطاع من خلالها أن يحقن الدماء كما قال و أن ينتصر دعاة السلم على دعاة الحرب في إشارة غير مباشرة إلى دول الأكواس ، إضافة إلى الرئيس الغيني فقد تمكنا من ترحيل الرئيس جامي من غامبيا في ظروف صعبة و بعد مفاوضات مضنية مع رئيس غريب الأطوار تركه الكثير من معاونيه و مقربيه و لم يستطع أن يستسيغ الأمر بسهولة .. فعلا تمكن الرئيس الموريتاني من دعم حليفه السابق و تمكن كذلك من تنظيف بقايا المسار الثنائي المشترك بين الرجلين –ذكرت مصادر أن كراتين كبيرة و كثيرة من وثائق الأمن  الغامبي تم إرسالها إلى موريتانيا – و قد تم استغلال اللحظة و اعطائها زخما سياسيا و دعائيا كبيرا في موريتانا حاول البعض أن ينسي المواطن العادي في الإخفاقات التي يمر بها النظام خصوصا أمام عجره عن التغييرات الدستورية و عن تحقيق الكثير من التعهدات التي وعد بها الرئيس و لم يتمكن حتى اللحظة من تحقيقها ، فوجد الكثير من داعمي الرئيس الفرصة مناسبة لإبراز الحدث و المطالبة بجائزة نوبل للسلام للرئيس عزيز.

لكن و رغم ذلك النجاح فقد خرجت موريتانيا من الأزمة بخيبة كبيرة ، فقد تدخلت قوات الأكواس في اليوم الموالي في بانجول لفرض واقع أمني جديد يمكن من تنصيب الرئيس الجديد و الذي ابان أن الدور الكبير في الحل قد لعبيته القوات التي كانت تحاصر غامبيا و هي التي اقنعت جامي بالرحيل ، فبدى ان النظام الجديد في غامبيا سيسير في فلك المعسكر الذي كان يريد المحافظة على الديمقراطية و خيار الشعب الغامبي و الذي أهتم أكثر بمستقبل غامبيا و الواقع الجديد فيها أكثر من اهتمامه بديكتاتور يلفظ انفاسه الأخيرة .. لقد فقدت موريتانيا العلاقة المميزة مع غامبيا – على الاقل في هذه الفترة – فقدت نقطة أساسية في معادلة القوى مع السينغال و لعل ذلك هو سبب الحشد الكبير و التصعيد الذي قام به الكثير من مدوني النظام و داعميه ضد السينغال و ضد التدخل الذي قامت به الأكواس في غامبيا و الذي رحب به الشعب و الجيش في غامبيا لكننا في موريتانيا نظرنا له بالكثير من الريبة .

لقد قامت موريتانيا بمجهود من أجل السلم و من أجل تجنيب المنطقة لويلات تدخلات عسكرية هي في غنى عنها و ربما من أجل أمور  أخرى ، و هو مجهود يذكر فيشكر ، و هو بادرة طيبة للديبلوماسية الموريتانية( بقيادة السيد الرئيس ) و هي في محاولاتها الأولى ، و إن لم تحقق كل ما تريد فقد حققت أشياء مهمة فما لا يدرك كله لا يترك كله ، و قد تمثل نجاحها الكبير في أن جامي حتى الآن قد تفادى نهاية اغباغبو و القذافي الذين شاركت بلادنا في لجان الوساطة في بلديهما ، إلا أنه كذلك لم يضمن البراءة الكلية من المتابعة فالاتفاق وقعت فيه الكثير من الأخطاء و خصوصا غياب الضمانات الحقيقية و غياب موافقة الطرف الغامبي المعني بالأمر ، فجاء كتلك الاتفاقات التي تهتم بنقطة واحدة و تصير النقاط الأخرى مخصصة للاستهلاك الإعلامي فقط . و مع ذلك ستحاول بعض الأطراف جعله أنموذجا أو استمارة جاهزة لكل رئيس يريد مغادرة الحكم و الاحتفاظ بحصانة ضد المتابعة أو المحاكمة له و لنظامه .. فهل ستنجح في ذلك ؟؟؟؟؟
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة