مقالات

ملا حظات على تغريدات الشنقيطي في شأن المرتد

نشرت بعض المواقع الموريتانية تغريدات للأستاذ محمد المختار الشنقيطي حاول فيها أن يعصم دم المرتد استدلالا بقوله تعالى {لا إكراه في الدين} وقد قال ابن حزم في المحلى (12/ 119) إنه لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على ظاهرها؛ لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه”
 وبمعرفة سبب نزول الآية يتبين أنها لا تدل على دعوى الأستاذ الشنقيطي فالآية قيل إنها نزلت في ولد الأنصارية الذي أعطته في جاهليتها لبني النضير وفاءً بنذرها، فلما أُجلي بنو النضير بعد محاولتهم قتل النبي صلى الله عليه وسلم أرادت أن تستبقي ولدها فنزلت الآية , و قيل نزلت في رجل من بني سالم بن عوف اسمه الحصين وفد ولدان له نصرانيان مع وفد من النصارى يحملون الطعام إلى المدينه فأراد أبوهما أن يكرههما على لإسلام فنزلت الآية فخلى سبيلهما , وقيل نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية . وقيل إن لآية منسوخة بآيات الجهاد , وعلي أنها محكمة فهي مخصصة بصور سببها وهم الكفار المعاهدون أو الذميون , ولا يمكن هنا الاحتجاج بالقاعدة الأصولية : ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) لأن اعتبار عموم اللفظ مشروط بأن لا تقوم قرينة على التخصيص بصور السبب , والقرينة هنا قائمة وهي ما قاله القاضي أبوبكر بن العربى في أحكام القرآن (1/310) : ” لا إكراه عموم في نفي إكراه الباطل , أما الإكراه بالحق فإنه من الدين وهل يقتل الكافر إلا على الدين ؟! قال صلى لله عليه وسلم “أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا لاإله إلا لله” وهو مأخوذ من قوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وبهذا يستدل على ضعف قول من قال إنها منسوخة”
فكيف يقال إن دعوى التخصيص تكلف بارد؟ مع أنه –كما رأينا- تخصيص من عالم محقق لآية مختلف في  إحكامها استنادا إلى آية محكمة إجماعا.
وهذا كلام ابن حزم في المحلى (12/ 119) على الآية : ” فبقي الآن الكلام في احتجاجهم بقول الله تعالى {لا إكراه في الدين} فوجدنا الناس على قولين:
أحدهما: أنها منسوخة، والثاني: أنها مخصوصة.
فأما من قال: إنها منسوخة، فيحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل من الوثنيين من العرب إلا الإسلام أو السيف – إلى أن مات – عليه السلام – فهو إكراه في الدين، فهذه الآية منسوخة.
وأما من قال: إنها مخصوصة، فإنهم قالوا: إنما نزلت في اليهود والنصارى خاصة، كما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعجوز نصرانية: أيتها العجوز أسلمي تسلمي، إن الله تعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق؟ فقالت العجوز: وأنا عجوز كبيرة وأموت إلى قريب؟ قال عمر: اللهم اشهد، لا إكراه في الدين .
وبما روينا عن ابن عباس قال: كانت امرأة تجعل على نفسها إن عاش ولدها تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى {لا إكراه في الدين}  .
فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل الكفار إلى أن مات عليه السلام حتى أسلم من أسلم منهم. وصح عنه الإكراه في الدين”هـ.
والحديث الذي حاول الشنقيطي تضعيفه ( من بدل دينه فاقتلوه ) صحيح أخرجه البخاري وأصحاب السنن وغيرهم وانعقد الاجماع على مقتضاه بالنسبة للرجل المرتد كما في مراتب الاجماع لابن حزم ( ص127)
وهو مذهب مالك الشافعي وأحمد رحمهم الله في المرأة المرتدة
وما نسب الشنقيطي للأحناف من عدم قتل المرتدة لا يعني أنها تترك طليقة على ردتها بل تسجن وتعزر وتمنع من سائر المنافع حتى تتوب أو تموت في السجن.
وقوله ” إنقاذ روح بآية محكمة….إلخ . اﻵية لم يتفق على أنها محكمة وعلى أنها محكمة فالذي ينقذ بها روح معصومة بحرمة العهد والذمة , والروح التي ترهق بالحديث روح غير معصومة بحرمة إسلام ولا عهد ولا ذمة.
وقوله “إن في قتل المرتد تمييزا بين الكفر بالمولد والكفر بالردة وأنه يقتضي أن من الجرم أن يولد الإنسان مسلما” غير وارد ؛ لأن الكافر لا يقر على الكفر سواء كان كفره أصليا أو عارضا كما دلت عليه الآية السابقة {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}الآية وقوله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} وكلاهما يدعى إلى الإسلام فالكافر الأصلي لا يقاتل ابتداء بل يعرض عليه الإسلام فإذا امتنع يعرض عليه أداء الجزية في أرض الإسلام ليطلع على الاسلام عن كثب فيسكن إليه قلبه أو يخرج من صلبه من يولد في أرض الإسلام فيألفه , فإذا امتنع قوتل , والكافر المرتد لا فائدة في إعطائه هذه المهلة لأنه قد عرف الإسلام ووقف على الدعائم فكانت مهلة الإعذار بالنسبة له أقصر وهي مدة الاستتابة التي اختلف فيها من ثلاثة أيام إلى شهرين.
وقوله ” إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بسجن المرتد ” ليس دليلا على انه لا يقتل لأن عمر رضي الله عنه قال ذلك لرجل قدم عليه من قبل أبي موسى الأشعر ي واليه على البصرة فسأله عن الناس فأخبره ثم قال له عمر هل كان فيكم من مغربة خبر فقال نعم رجل كفر بعد إسلامه قال فما فعلتم به قال قربناه فضربنا عنقه فقال عمر أفلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله” (الاستذكار (7/ 153) فكلام عمر رضي الله عنه حث على عدم تعجيل القتل قبل مهلة الاستتابة ودليل ذلك أنه صرح بالمهلة وهي ثلاثة أيام.
أما الحديث الذي لم يصرح فيه عمر رضي الله عنه بالمهلة وهو ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه “أن نفرا من بكر بن وائل ارتدوا عن الإسلام يوم تستر فلحقوا بالمشركين فلما فتحت قتلوا في القتال قال فأتيت عمر بفتحها فقال ما فعل النفر من بكر بن وائل فعرضت عن حديثه لأشغله عن ذكرهم فقال لا ما فعل النفر من بكر بن وائل فقلت قتلوا قال لأن أكون كنت أخذتهم سلما أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء قلت وهل كان سبيلهم إلا القتل ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين قال كنت أعرض عليهم أن يدخلوا في الباب الذي خرجوا منه فإن قبلوا قبلت منهم وإلا استودعتهم السجن”
فقد قال أبو عمر بن عبد البر عقب ذكره له (الاستذكار (7/ 154) : يعني استودعتهم السجن حتى يتوبوا فإن لم يتوبوا قتلوا . هذا لا يجوز غيره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاضربوا عنقه)
وتعبيره بكلمة ( التمرد) في دفاعه عن المرتد و تفريقه بين الردة الفكرية والردة العسكرية خلط بين بايين من أبواب الفقه هما ( الردة) و( البغي) فالبغي هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا وهو الذي يعبر عنه اليوم بالتمرد , أما الردة فهي الكفر بعد الإسلام أعاذنا الله منها ولكل من البابين أحكامه .
 
***
الخلاصة ان المرتد إذا كانت ردته بالإساءة إلى نبي مجمع على نبوته يقتل فورا سواء كان رجلا او أمرأة إجماعا ولا تقبل توبته عند الإمام مالك رضي الله عنه .
وإذا كانت ردته بغير ذلك يسجن ويستتاب فإن تاب افرج عنه وإن لم يتب فإن كان رجلا قتل إجماعا وإن كان أمرأة قتلت عند الجمهور , والأحناف يقولون تترك في السجن وتعزر المرة بعد المرة حتى تتوب او تموت في السجن.
وليعلم المفكرون ان تقطيع النصوص الشرعية حسب الهوى و تجريدها من سياقاتها التي تدل على المقصود منها لم يكن ولن يكون مقبولا أبدا .

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة