مقالات

مواطنون تحت العادة

في كزرتنا الزنكية الوديعة الهادئة إلا من نوبات صياح متباعدة تنتاب جارنا عبد الرحمن “الشرطي السابق ” فيتصور نفسه وهو يصدر الأوامر إلي فرقته البوليسية لإحلال الأمن في الحي ، وجميعنا نسايره بأن نٌظهر التقدير له حتى ونحن نعرف أن ذالك سيغريه بطلب الدفع من جيوبنا ، تمضي الحياة رتيبة روتينية كما هي في كل يوم ، ففي الصيف تتحول كزرتنا إلي كومة من جمر بفعل أشعة الشمس الحارقة

وكأنها تريد أن تستظهر فينا جبروت قسوتها فتغدو مرشحة للاشتعال في أي وقت ، تماما كعلبة كبريت ،أما فصل الخريف فهو موسم إعلان الطوارئ فالمياه تغمر كل ركن وزاوية فيها ، حتى لو حاولنا استباق الموسم بإضافة قطعة زنكية أخري علي أمل أن تٌصلح ما أفسده الزمن ،أما في فصل الشتاء فإن مقاومتها للبرد تخور فهو يلسع أجسادنا ، ليس في كزرتنا مطبخ لكن هناك شيء كأنه هو فال”بنطرة”هي متعددة الاستخدامات ففي الليل ووقت نزول المطر هي مأوي معزنا ووقت إعداد الطعام هي له ، ولنا في كزرتنا شبه حمام ،إنما علي الداخل فيه رفع الإشارة والإشارة هي وضع قطعة من ثيابه علي الباب الذي لا يٌحكم إغلاقه

كزرتنا إلي ذالك كله فيها عريش و بيت إسمنتي أراد له الوالد رحمه الله أن يكون فخره وقد استدان حينها لينشئه ورغم أن ما خصصه له قد نفد قبل اكتمال طلاء البيت الا أنه كان بيتا واسعا ، ليس من فساحته وإنما بعدد الأشخاص الذين يستوطنوه كل ليلة ، ففي هذا البيت نمارس جميع أنشطتنا وكل طقوسنا، فيه نأكل و فيه أقيم حفل عقد قران شقيقتي ،وفيه أقام والدي عزاءه في جدتي وإليه يتداعي جيراننا من محبي مشاهدة المسلسل الديني وفي أحد أركانه نرتب أغراض ضيوفنا

في كزرتنا لا وجود لشيء اسمه “الخصوصية” فنحن علي اطلاع بالمسار اليومي لجيراننا ، فأحاديثهم السرية تصلنا بانتظام ومستجداتهم نتقاسمها وإياهم ،ومشاكلهم نعرفها كلها ، ورغم السياج الشائك الذي يرسم حدود كزرتنا فلا وجود لأقفال ولا أبواب لأن الفقر يحميها

و الدولة تصفنا بأننا مواطنون منضبطون ،لأننا لا نتذمر ولا نحتج ونصف المعارضين بأنهم غير وطنيين ،ونحن حاضرون في كل المناسبات الرسمية ،ونعتبر مرشح الدولة خيارنا ،ونشارك بكثافة في كل استحقاق انتخابي ،ونحن مع الدولة خوفا وطمعا ، رغم كل ذالك فنحن مواطنون تحت العادة .

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة