تقارير

موريتانيا: المعوقون… وظلم ذوي القربى

موريتانيا: المعوقون... وظلم ذوي القربى
يعتبرونهم معرة.. يخفونهم في بيوت معتمة ويتجاهلون رغباتهم البريئة كالطفولة إن كانوا كبارا.. أما الأطفال منهم.. فمسحوقون معزولون يواجهون نظرات ذويهم الدونية التى تخترقهم كلما عنت لأحدهم حاجة وكأنهم ابتلاء، إنهم نكرة في محيط لا يمنحهم حق التواصل والتطور ناهيك عن المعرفة والإبداع.. من البيت في حدوده الضيقة ممثلة في الأسرة.. تكونت نمطية تعامل انسحبت على الكثير من البيوت الموريتانية طوال عقود في الاعتراف بشريحة المعوقين كبشر قابلين للحياة والانتاج.. جاءت القوانين الحديثة لمنحهم في سطور ضوء من أمل في نهاية نفق مظلم ثم أبصرت منظمات جمعوية النور متبنية همومهم.. فبدءوا يتعرفون على العالم وإن ظلت حدود المعرفة ضيقة.. لضعف الإمكانات وحاجة العقلية لمزيد من التوعية والتحسيس خصوصا بين الأهالي.
لا توجد إحصائيات نهائية لعدد المعوقين في موريتانيا، إلا أن طبيعة تعاطي المجتمع معهم يجعل التقديرات التى تعتمدها المنظمات العاملة في مجال التحسيس والمساعدة لتلك الشريحة، مجرد أرقام نسبية لا تلامس الواقع المرير حول عددهم وشكل المعاناة التي يعيشونها وإذا كان عدد الجمعيات غير الحكومة المهتمة بالمعوقين يتجاوز ثلاثين جمعية فإن أعداد المعوقين أنفسهم ربما يتجاوز بضعة آلاف.
ومما ساهم في انتشار حالات الإعاقة في صفوف الموريتانيين -بحسب الخبراء الاجتماعيين والنفسيين- عوامل عديدة، منها العوامل الوراثية والاجتماعية والتربوية، ومنها حوادث الشغل والحروب والألغام وحوادث السير.. وغيرها.
وتشكل الإعاقة الذهنية ملمحا من ملامح تلك اللوحة، فثمة حالات إعاقة وأمراض مزمنة منتشرة لكنها صامتة لا سيما بين أبناء الطبقات الفقيرة حيث يغيب الوعي بضرورة التشخيص، ذلك أن الأهالي يخفون حالات أبنائهم حتى في حالة ما إذا كانت المنظمات المهتمة بعلاج ومتابعة مرضاهم تبحث عن مثل تلك الحالات، وفي ظل هذه الوضعية تتفاقم معاناتهم وربما يموتون بدم بارد.
ويرجع الخبراء الاجتماعيون طريقة تعاطي شرائح اجتماعية واسعة مع العلل التي تصيب الأطفال والكبار،  كحالات الصمم، إلى العادات المتوارثة عن قوم نشؤوا في بيئة صحراوية قاسية، فالمجتمع كثيرا ما يربط مثل تلك الأمراض والعاهات بقوى أخرى غير مرئية، فبعضهم يعتبر أن الجن والمخلوقات الميتافيزقية قد تصيبهم بالأمراض، ويتواطؤ المجتمع على حالات نفسية وعصبية فيصنفها مسا من جنون..!
وفي الأحياء الشعبية الفقيرة وداخل المناطق الريفية النائية يمكنك أن تشاهد أطفالا يعانون أعراضا وأمراضا عقلية ونفسية، دون أن يدرك الأهل حقيقة مرض صغارهم، إنهم يعتبرون أي حالة غير طبيعية عاهة مستديمة لا ينتظر صاحبها غير النهاية المحتومة، فتراهم يهملون مثل أولائك الصغار ويتركونهم للضياع ويعاملونهم بوصفهم ضيوفا سيعبرون قريبا إلى الحياة الأخرى، وهي طريقة تعامل قاسية ولدت اليأس في نفوس الموريتانيين من حياة مصابيهم.
وتتواطؤ مختلف الثقافات والقوانين على تعريف شبه موحد للشخص المعاق، بل إن القوانين واللوائح ذات الصلة تتفق على أن الإعاقة هي حالة من عدم  قدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدة أو أكثر من الوظائف التي تعتبر أساسية في الحياة اليومية؛ وذلك مثل العناية بالذات أو ممارسة العلاقة الإجتماعية والنشاطات الإقتصادية ضمن الحدود التي تعتبر طبيعية.
وتتعدد أنواع الإعاقات في المجتمع الموريتاني، ويشكل الصم جانبا كبيرا من تلك اللوحة الخرساء التي تلف قطاعات وشرائح واسعة من سكان هذه البلاد.
ويتعرض  المعوقون في موريتانيا للإقصاء المتعمد من مسابقات الوظيفة العمومية، رغم أن القانون صريح في منحهم نسبة 5% من هذه الوظائف، لذا تجد الكثيرين منهم على قارعة الطرق ولدى ملتقيات الطرق يطلبون الصدقات من المحسنين.
ويطالب ناشطون بضرورة الارتقاء بأوضاع المعوقين في موريتانيا، وذلك من خلال الشروع في سلسلة إجراءات من بينها المصادقة على القانون المنظم للخدمات والإجراءات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة، وتنظيم غربلة للجمعيات غير الحكومية المعنية بالمعاقين مع التركيز على برامج التكوين والتدريب المهني لأفراد هذه الشريحة وإيجاد نوع من التمييز الإيجابي في التوظيف والاكتتاب.
وفيما تقول السلطات الموريتانية إنها تعتمد خططا واستراتيجيات متعددة لإعادة دمج المعوقين ورفع بعض الحرج عنهم، إلا أن جهودا كبيرة من أبرزها نشر الوعي بين الأهالي تعتبر -بحسب الخبراء- أفضل الطرق لاحتضان المعوقين حيث يعانون قبل كل شيئ  ظلما أشد.. هو ظلم ذوي القربى !
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة