تحقيقات

موريتانيا تودع 2017.. عام الأحداث السياسية الكبرى

أمران شغلا الموريتانيين خلال صيف 2017، الأمطار والأحداث السياسية، كانت الأولى تعكس رغبة المواطن، وتترجم الثانية إرادة النظام الحاكم وضع أولى لبنات ما يسميه في أدبياته “موريتانيا الجديدة”.

كانت الأمطار شحيحة، في حين كانت الثانية غزيرة، لعل أبرزها سابقة رفض الشيوخ للتعديلات الدستورية المقترحة من الحكومة، وما أعقبه من لجوء الرئيس محمد ولد عبد العزيز للمادة 38 من الدستور لتنظيم الاستفتاء على التعديلات الدستورية ذاتها.

ولم يسبق أن ثار الجدل بنفس مستوى الحدة الذي اثارته هذه التعديلات الدستورية، إذ خلقت حالة من الاستقطاب والاصطفاف أسفرت عن تشكيلة سياسية جديدة للمعارضة ستعرف “بمجموعة الثماني”.

وسيبقى عام “2017” وفيا لبِدعه السياسية حتى آخر أيامه، إذ سينتخب حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، ذو الميول الإسلامية، رئيسا جديدا خلفا للرئيس محمد جميل منصور، أول رئيس للحزب وأحد أركان المشروع الإسلامي في موريتانيا.

 

الشيوخ.. معركة البقاء

إذا كانت التعديلات التي أدخلت، في مناسبتين عامي 2006 و2012، على أول دستور “تعددي ديمقراطي” في موريتانيا، والذي أقر في العام 1991، مرت في أجواء هادئة على العموم وحظيت بترحيب واسع، فإن التعديلات التي تم اقتراحها سنة 2017 خلفت انقساما كبيرا وسط المجتمع.

وقد وصل هذا الانقسام إلى داخل أروقة الأغلبية الحاكمة، خاصة بعد أن رفض أعضاء مجلس الشيوخ، الغرفة العليا في البرلمان الموريتاني، هذه التعديلات التي تتضمن إلغاء مجلسهم.

جاء تصويت مجلس الشيوخ، في مارس الماضي، بإسقاط هذه التعديلات الدستورية، بعدما رفض تمريرها بأغلبية 33 صوتا مقابل 20 صوتا، ليشكل سابقة سياسية في تاريخ البلاد، خاصة وأن عددا كبيرا من أعضائه ينتمون للأغلبية الحاكمة.

 

طوق النجاة

أمام رفض الشيوخ للتعديلات في مشهد أسطوري يشبه إلى حد ما المعارك الأخيرة لمحاربي الساموراي، لجأ الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز إلى المادة 38 من الدستور، ليضرب بها الشيوخ من تحت الحزام.

لقد استند ولد عبد العزيز في معركته مع الشيوخ على فتاوى من بعض الفقهاء الدستوريين تؤكد أن المادة 38 تسمح له بعرض التعديلات على استفتاء شعبي مباشر، متجاوزا بذلك مجلس الشيوخ.

دخلت البلاد في جدل دستوري حول المادة 38، وانقسم الفقهاء بين من يرى أنها تتحدث عن مواضيع “وطنية” ولا تسمح بتعديل الدستور لأن ذلك منصوص عليه في أبواب أخرى، وآخرين يرون أن هذه المادة هي “المفتاح السري” الذي وضعه كاتبو الدستور في جيب الرئيس ليفتح به كل الأبواب.

وفي خضم هذا الجدل رفض ولد عبد العزيز العودة إلى حوار سياسي جديد مع المعارضة، وشدد على أن الشعب سيكون هو صاحب الكلمة الفصل، نافيا أن يكون قد عطل البرلمان الموريتاني بتجاوزه إلى الاستفتاء الشعبي بعد رفض التعديلات من طرف مجلس الشيوخ.

 

الاستفتاء المثير

في الخامس عشر من يوليو الماضي، دعي زهاء 1,4 مليون ناخب موريتاني للمشاركة في استفتاء شعبي حول إدخال تعديلات على دستور البلاد، أثارت الكثير من الجدل على الصعيدين السياسي والقانوني، بالرغم من أنها كانت ثمرة حوار سياسي جرى خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2016، بين الأغلبية الرئاسية والمعارضة المحاورة، وقاطعه المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة أكبر أكتلة للمعارضة الموريتانية، وحزب تكتل القوى الديمقراطية.

وفي ظل هذه الخلافات، تصاعدت حدة التوتر بين الطرفين على مدى أشهر، وبلغت ذروتها عشية إجراء الاستفتاء، خاصة بعد أن رفضت السلطات الترخيص لتنظيم مظاهرات معارضة له، وهو ما أدى إلى وقوع مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين، لاسيما في العاصمة نواكشوط، استخدمت خلالها قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين المعارضين للاستفتاء، واعتقلت عددا منهم.

وبعد فترة ترقب، امتدت على مدى ثلاثة أسابيع، جاء الإعلان عن النتائج الرسمية للاستفتاء، في الخامس من أغسطس، والتي أسفرت عن فوز معسكر المؤيدين بنسبة 85 في المائة، وبنسبة مشاركة بلغت 53,73 في المائة، رغم الشكوك الكبيرة التي أثيرت حول هذه الأرقام، خاصة فيما يتعلق بنسبة المشاركة، إذ وصف الناشطون في المعارضة الاستفتاء بأنه “استفتاء أموات” في إشارة إلى تصويت الأموات فيه.

 

الاستفتاء يجمع فرقاء السياسة

أعادت نتائج الاستفتاء حالة التوتر إلى سابق عهدها، حيث رفض أعضاء مجلس الشيوخ وأحزاب المعارضة الاعتراف بهذه النتائج، معتبرين الاستفتاء “انقلابا” على الدستور، ومسا بوحدة البلاد وتماسكها من خلال تغيير رموزها (العلم والنشيد الوطنيين)، و”تمهيدا لولاية رئاسية ثالثة”.

فقد شكل الشيوخ مجلسا جديدا دعا في بيان أصدره مؤخرا السلطات إلى “التعقل” والتراجع عما سماه “الدوس على الدستور”، مؤكدا أنه تدارس ما وصفه ب”الأوضاع الخطيرة التي تعيشها موريتانيا بعد انقلاب الخامس من اغشت 2017″، كما حذر مما سماه “مغبة الاستمرار في خرق القانون والعبث بالدستور”.

لاقت دعوات الشيوخ واحتجاجاتهم اليومية رفضا مطلقا من الحكومة وصل حد محاصرتهم في مبنى الشيوخ، واستخدام القوة لتفريق احتجاجاتهم في محيط المجلس، قبل أن يودع السجن السناتور محمد ولد غدة أبرز الرافضين للتعديلات في المجلس، وفرضت الرقابة القضائية على أعضاء آخرين.

ولم تسلم التنسيقية الجديدة التي أعلنتها المعارضة لمواجهة الاستفتاء، من قمع الأمن لاحتجاجاتها على الاستفتاء، إذ منعت السلطات الموريتانية التظاهر على التنسيقية المكونة من ثمانية تشكيلات سياسية وحقوقية، بل وتجاوز المنع إلى قمع الاحتجاجات ما أدى إلى إصابة قادة في التنسيقية بجروح أثارت صورها الكثير من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

قبل ذلك كانت المعارضة قد وجهت رسائل إلى البعثات الديبلوماسية، واللجنة المستقلة للانتخابات، والمجلس الدستوري تشرح فيها مخاطر ما وصفته بالانقلاب الدستوري، والدعوة إلى التراجع عنه.

وتضم التنسيقية أو ما عرف بـ”مجموعة الثمانية” المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، تكتل القوى الديمقراطية، جبهة قوى التغيير، حزب الصواب، حركة إيرا، حزب الوطن، حزب إيناد، محال تغيير الدستور.

 

ما بعد الاستفتاء

المعارضة واجهت بداية تطبيق نتائج الاستفتاء بإعلانها استراتيجية جديدة لتسيير مرحلة ما بعد التعديلات الدستورية، لم تحمل الاستراتيجية جديدا إلى حد الساعة، آخر مستجدات نضال الثمانية مسيرات في العاصمة التقت عند جامع بن عباس بنواكشوط، اختممت المسيرات بمهرجان خطابي لقادة المعارضة نددوا فيه وتوعدوا النظام الحاكم بإفشال مخططاته. لا يبدو النظام مكترثا بخطب المعارضة وخططها، تقريبا البرلمان في شكله الجديد صادق على كل مشاريع القوانين المتعلقة بتنفيذ نتائج الاستفتاء.

حل مجلس الشيوخ، وأجيزت قوانين تنظيمية تخص المجالس الجهوية وتحدد نطاقها الترابي وتنظيمها وصلاحياتها ونمط تسييرها، وأخيرا رفع العلم المُعدل، وعزف النشيد الوطني الجديد لأول مرة خلال الاحتفالات المخلدة لذكرى الاستقلال في 28 نوفمبر الماضي، وما يزال عضو مجلس الشيوخ محمد ولد غده في السجن.

 

ولد غده

ربما يتفق الكثير من الموريتانيين على أن محمد ولد غده كان أبرز شخصية سياسية معارضة خلال عام 2017، فقد تصدر المشهد في كثير من محطاته، بداية بتصويت مجلس الشيوخ ضد تعديل الدستور الذي يبدو أنه كان مهندسه وأبرز قادته، وصولاً إلى حادث السير الذي تعرض له والذي انتهى باعتقاله.

لم يكن اعتقال ولد غده إلا مجرد بداية لسلسلة من الأحداث، كان أبرزها تسريب مقاطع صوتية من هاتفه الشخصي تكشف ما قال النظام إنه “فساد ورشوة” تورط فيها أعضاء مجلس الشيوخ خلال عملية التصويت ضد تعديل الدستور.

كما كشفت هذه التسريبات عن تنسيق بين ولد غده ورجل الأعمال الموريتاني المقيم في الخارج محمد ولد بوعماتو، وكلاهما معارض شرس لنظام ولد عبد العزيز.

أفرج عن ولد غده بعد أيام من الاعتقال، ظهر بعدها في وسائل الإعلام وهو يتحدث عن عملية التجسس التي تعرض لها، وبدأت تتضح ملامح الحرب بينه والنظام، خاصة عندما نشر مقطع فيديو يتحدث فيها شاهد يقدم رواية جديدة لحادثة الطويلة التي أصيب فيها الرئيس بطلق ناري عام 2012، لم تمض أيام حتى اعتقل ولد غده، وما يزال رهن الاعتقال حتى اليوم.

 

انتخابات تواصل

بقي العام الحالي وفيا لبِدعه السياسية في موريتانيا حتى آخر أيامه، إذ سينتخب حزب “تواصل” ذو المرجعية الإسلامية رئيسا جديدا خلفا للرئيس محمد جميل منصور، انتخابات شغلت الرأي السياسي في موريتانيا طيلة ثلاثة أيام، كونه الحزب الوحيد في موريتانيا الذي رضي رئيسه حتى الساعة بالمغادرة عند انتهاء مأموريته، وانتخب المؤتمرون رئيسا جديدا للحزب هو الدكتور محمد محمود ولد سيدي.

جمعت انتخابات تواصل وهو الحزب المعارض الأكثر تمثيلا في البرلمان، فرقاء السياسية في موريتانيا من الأغلبية والمعارضة، كما حضرت المؤتمر شخصيات سياسية عربية بارزة كالمسؤول السياسي السابق لحركة حماس الفلسطينية خالد مشعل، ونائب رئيس النهضة عبد الفتاح مورو، وضيوف من المغرب والسنغال.

ولكن تواصل أدخل بقية أحزاب المعارضة الديمقراطية في حرج كبير، فأغلب هذه الأحزاب لم يعرف أبداً طعم التناوب على رئاسته، وحتى أن هذا الحرج وصل إلى حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، ذلك الحزب الذي تبادل على رئاسته أربعة شخصيات خلال أقل من عشر سنوات، ولكنه تبادل حدث في هدوء يشبه التعليمات.

 

تطلعات العام المقبل

انتهى العام 2017، غير أن ظلاله السياسية ستمتد لفترة ربما ستطول، الشارع الموريتاني يبقى مترقبا لما ستؤول التجاذبات السياسية بين المعارضة في شكلها الجديد والحكومة، فيما تنتظر العام المقبل تركة سياسة في مقدمتها إطلاق المجالس الجهوية للتنمية، وهي البديل الجديد لمجلس الشيوخ والانتخابات البلدية، بينما ما يزال الشك يحوم حول الانتخابات البرلمانية، في ظل توقعات بالتمديد للجمعية الوطنية الحالية، وذلك على خلفية مدى قدرة البلاد على تنظيم ثلاثة استحقاقات في عام واحد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة