تحقيقات

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
بوابة حديدية شفافة وبسيطة؛ ثم ممر طويل يتوزع بصرياً على شكل رباعيات محاط بباسقات نخل.. يؤدي إلى مبنى القصر الرئاسي في نواكشوط.
بلونه الرمادي الفاتح ينتصب شاهدا على مراحل سياسية متسارعة.. في طابقيه يحتوي القصر ذو الطراز الصيني جل المكاتب الرئاسية بما فيها مكتب الرئيس وديوانه العسكري والمدني ومستشاروه، والتشريفات الرئاسية، وقاعتا الاستقبال، والقاعد التي يعقد فيها مجلس الوزراء اجتماعه الأسبوعي، وقاعة المؤتمرات الصحفية…الخ.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
على مرمى حجر غرب القصر تبدو بناية عتيقة بطابق وحيد زُين بحجارة حمراء ذات طابع فرنسي.. إنه القصر الرئاسي الأول (القصر الأحمر)، لم يعد مستخدما بشكل حيوي منذ حوالي 12 سنوات، باستثناء الاستقبالات التي يجريها الرئيس في عطلة نهاية الأسبوع، إضافة لوجود بعض المكاتب الثانوية.
بين القصرين الأحمر والرمادي؛ عاشت موريتانيا أيامها ولياليها الحبلى بالسعادة والأحزان… الاستقلال وطبخ القرارات الأهم في تاريخ البلاد… وأيضا الانقلابات والمحاولات الدموية.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
غير بعيد من القصرين أعلن الرئيس الراحل المختار ولد داداه انتهاء استعمار دام ستين سنة.. كان ذلك في سقيفة الاستقلال التي تحولت اليوم إلى دار الوثائق الوطنية، والتي ظلت إلى وقت قريب تحتفظ بجدرانها الأصلية.
يومها لم يكن القصر قد بني…كان ولد داداه ترأس أول اجتماع لمجلس الوزراء خلال فترة الحكم الذاتي تحت خيمة، قبل أن يتحول إلى إدارة البلد من مكتب متواضع في مجمع بسيط  لم يكن يومها سوى غرف صغيرة تضم أيضا رئاسة الوزراء وبعض المكاتب، وكذا محطة البث الإذاعي المتنقلة.. وهو في المجمع السكني المقابل اليوم لوزارة الثقافة من جهة الغرب، وهو مبنى متواضع تقطنه أسرة بسيطة، تؤجر مكتب الرئيس لورشة للخط.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
في القصر الأحمر ظل المختار ولد داداه طيلة 18 عاما يمسي ويصبح على إدارة ملفات الدولة الفتية، في هذا القصر استقبل الرؤساء والملوك… وفيه عقد مئات الاجتماعات ذات الطابعين المحلي والدولي.
في القصر الأحمر جلس العسكر لقيادة، أول مرة يوم 10 يوليو 1978، بعد أن تجمعوا في باحته معلنين نهاية “النظام المرتشي”.
منه أيضا أعلن معاوية أن ديمقراطية موريتانيا ستكون نموذجا يحتذى به في المنطقة، وأن موريتانيا أصبحت بلدا ديمقراطيا يطمح للرقي إلى رتب متقدمة في مختلف المجالات.
لكن الانقلابات وحالة عدم الاستقرار السياسي، سرعان ما عادت، منهية سباتا في تغيير هرم السلطة دام عقدين من الزمن، شهدا حراكاً سياسيا مكثفاً، و عرف فيهما القصر أحداثاً كثيرة؛ غير أن رأس الهرم ظل كما هو.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
أربعة رؤساء دخلوا القصر الأحمر، وخرجوا منه دون اختيار منهم.. وحده خامسهم معاوية ولد الطائع خرج برضاه بعد أن شيد له الصينيون قصراً جديداً..
اهتزت أركان حكم معاوية في القصر الرمادي الجديد أكثر من مرة.. وخرج منه للمرة الأخيرة دون أن يودعه.
خَلفه رؤساءُ ثلاثة.. يشهد الرواق الرئيسي بالقصر أنهم مروا من هنا رفقة أربعة قبلهم عاشوا أيام حكمهم في القصر الأحمر.
صورهم مرتبة حسب تسلسلهم الزمني في الحكم.. لكن المختار ولد داداه، ومعاوية ولد الطائع، واعلي ولد محمد فال يظهرون بالألوان، ويرتدون بدلات مدنية،  أما المصطفى ولد محمد السالك ومحمد محمود ولد أحمد لولي، ومحمد خونه ولد هيداله فيظهرون بالأبيض والأسود.. والبدلة العسكرية.
تمر الأيام.. وتحفظ جدران القصر للتاريخ كيف تتالت تغيرات هرم السلطة بسرعة خلال العقود الخمسة الماضية.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
يأتي الرؤساء.. ويذهبون؛ وتبقى أشياء لا يطالها التغيير إلا نادراً: مكتب الرئيس، ومقاعد الاستقبال ومحتويات المكتبة واللوحات والإقامة الرئاسية، وحتى الحراس الشخصيون والعمال!.
وحده مكتب الرئيس المختار ولد داداه ودع القصر، وهو مكتب خشبي أحمر اللون بسيط و بدرجين، تسلمته أسرة ولد داداه في العام 2009، خلال حفل حضره وزير الخارجية الأسبق محمد محمود ولد محمدو وأرملة الرئيس الراحل؛ مريم.
أما المكتب الرئاسي الحالي فقد تعاقب عليه معاوية واعلي وسيدي و ولد عبد العزيز، و هو مكتب خشبي فخم ومزخرف، يتسع لعشرات الملفات والتقارير التي تتراكم عليه في انتظار الرئيس.
إلى جانب طاولة المكتب توجد أربعة خطوط هاتف ثابت، وكومبيوتر مزود بالانترنت، يمكن الرئيس من الإطلاع على آخر الأخبار المحلية والدولية، بنفسه.
لقد انتهى عهد الاعتماد على تقارير مدير الديوان، وملخصاته المنتقاة للصحف، فلدى الرئيس اليوم هاتف جوال يستخدمه في اتصالاته ذات الطابعين الخصوصي والعمومي، وهو مشترك في خدمة الأخبار العاجلة عبر الرسائل النصية القصيرة.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
مقاعد الرئاسة لم يطلها التغيير، ففي القصر الرمادي صالون رئيسي للاستقبال، على مقاعده جلس معاوية، واعلي، وسيدي، وعزيز. المقاعد ثابتة لا تتحرك.. كان الاستثناء الوحيد؛ هو يوم 19 أبريل 2007 حين نقل مقعدان رئاسيان من ذلك الصالون، نحو القاعة الكبرى بقصر المؤتمرات حيث جلس عليهما الرئيسان اعلي ولد محمد فال وسيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، قبل أن يسلم الأول السلطة للأخير… فتبادلا الجلوس على المقعدين وسط الهتافات والتصفيق.
السجاد أيضا ثابت منذ أيام معاوية، وهو صناعة موريتانية خالصة، بألوان فاتحة تزخرفها أشكال تجمع بين التصميم التقليدي، والروح المعاصرة.
المكتبة الرئاسية ظلت كما هي، تضم رفوفها محتويات ثابتة، يتصدرها مصحف كبير مفتوح الدفتين، وبعض من أمهات الكتب العربية : لسان العرب وتاج العروس والأغاني والكامل والبداية والنهاية، وديوان المتنبي، والمدونة الكبرى والكتاب (لسبويه)، وتضم كذلك كتباً موريتانية مثل ديوان أمحمد ولد الطلبه، و ميسر الجليل على مختصر خليل لمحنض بابه بن أعبيد.. الخ.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
لوحات القصر أيضاً لا تتغير.. المشرفون على الأحمر ومن بعده الرمادي لا يراعون أذواق الرؤساء والعائلات الرئاسية، ففي القصر القديم (الأحمر) ذو الطابع الكلاسيكي لوحات تعكس جانباً من تراث وبيئة موريتانيا، وغالباً ما تظهر خلال صور الأنشطة الرسمية.
أما القصر الجديد، الذي يبدو أكثر رومانسية فإن لوحاته تطل من الجدران منذ عشر سنوات، شيء واحد يتغير في الصالون الرئيسي للاستقبال، وهو الورود التي توضع على طاولة صغيرة بين الرئيس وضيفه، ولكنها تختلف من حيث الشكل والتصفيف، فذات مرة حين استقبل سيدي ولد الشيخ عبد الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في ابريل 2008، كادت رزمة الورد أن تحول بينهما نتيجة لكبر حجمها. أما ولد عبد العزيز فربما لا يميل إلى الورود، حيث استبدلت خلال عهده بعلبة مناديل صغيرة.
وكذلك أضيف  الستائر لقاعة الاستقبال الكبرى بعد خروج اعلي ولد محمد فال، وذلك لتحجب بابين يوجدا في خلفية الرئيس خلال الاستقبالات، أما القاعة الثانية للاستقبال فهي ضيقة وبها ورود اصطناعية خضراء مكثفة بحيث تشوش على ديكور المكان.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
في القصر يوجد عشرات الأشخاص، لا يولي الموريتانيون لهم أهمية كبيرة، رغم أن ديناميكية القصر تقوم عليهم :  وهم موظفو لبروتوكول، و الحراس الشخصيون للرئيس، والعمال، ومصففو شعر الرئيس، والمشرفون على ملابسه، وموضبو المكاتب، والمشرفون على الحدائق والساحات..
أغلب هؤلاء لا تشملهم دائرة التغيير، هم كما هم على مر السنوات، والمثال الحي على ذلك حراس الرئيس، فالمجموعة الأمنية التي كانت تحرس ولد الطائع هي نفسها التي حرست ولد محمد فال، و ولد الشيخ عبد الله، و ولد عبد العزيز.
بعد انقلاب 2005 التحق بالحراس ضابط شاب أصبح معروفا باسم “النقيب عالي” ، وبعد ذلك انضم لهم عدد معتبر من رجال ثقة ولد عبد العزيز من الحرس الرئاسي، لكن الجيل الأول بقيادة “تكدي” لم يتغير، وما زال يتولى مهمة حراسة الرئيس.
تراهم خلف ولد الطائع في اكجوجت والنعمه وبارس، والرياض وحتى نيامي (النيجر)، وسرعان ما تراهم خلف ولد محمد فال يجوبون معه الداخل والخارج، قبل أن ترى الوجوه نفسها مع ولد الشيخ عبد الله…ومن وراء ظهره المدني تنتقل إلى حراسة ولد عبد العزيز القادم من قيادة الحرس الرئاسي وكأن شيئا لم يتغير، إنهم يؤدون مهمة وطنية بغض النظر عن من يكون في المقدمة…. الأهم أنه الرئيس وعليهم حراسته ما دام يصبح ويمسي في القصر الرمادي.

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !

موريتانيا : قصة الثابت والمتغير.. بين القصرين !
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة