مقالات

موريتانيا والتحدي المجهول

موريتانيا والتحدي المجهول

ليس من المفارقات التاريخية ،الجزم اليوم بأن العالم يعرف تناقضات حادة غير مسبوقة في تاريخ البشرية جمعاء، سواء على مستوي الأحادية القطبية التي تحكم العلاقات بين القوي الدولية، أو التحالفات السياسية المحلية والإقليمية لتشكيل أقطاب قوية ذات أبعاد إيديولوجية لخلق مصالح مشتركة، تتشابك أهدافها ومقاصدها البنيوية تارة والاقتصادية تارة أخرى.

هذا المناخ السائد، ولد مفاهيم متخالفة نتيجة الممارسة الفعلية للحقوق والواجبات الداخلية والخارجية في إطار التنافس على منافذ النفوذ والهيمنة، لتسليط القوي وتشتيت منابر الدعاية الجديدة في ثوبها القديم، مما يتطلب اليقظة والحذر اتجاه عاصفة النوايا المبيتة للقيم القادمة، وما تولده من أخطار علي الانتماء الديني والأخلاقي لمجتمعاتنا العربية الإسلامية، علي ضوء تحولات جذرية في مسارها السياسي والاجتماعي، انطلاقا من خصوصيتها الاجتماعية والثقافية وهشاشة وسطها البيئي المعرض للاختراق أصلا في أية لحظة.

أية مناعة لمجتمعاتنا تتطلب قدرا كبيرا من الحيطة والحذر بما يحدث في محيطنا من تقلبات قادرة علي أن تعصف بالكيان القائم لولا تضافر الجهود وتماسك الأفكار مع اقترانها بالأفعال حتى نصل إلي بر الأمان متماسكين وبأخف ضرر.

إن أحداث الساعة العربية وما ولدته الثورات الشبابية العربية من انتفاضة الشارع العربي وبروز فلسفة التغيير بأشكال متعددة ودامية في جل حلقاتها، يفرض علينا اخذ العبرة من مجريات الأحداث وقراءة صحيحة للتاريخ في حاضره مع استخلاص العبرة من الماضي القريب، انطلاقا من موقعنا داخل القرية الكونية الواحدة وما يفرضه ذلك الموقع من سلبيات الجغرافيا، قصد الحفاظ علي وجود الدولة والكيان، التي تشكل مركز اهتمام  لقوي عدة خارجية نظرا للموقع الجيوبوليتيكي وقابلية التأثير المتبادل للأفكار والقيم، التي أصبحت تفرض نفسها بفعل تطور آليات التواصل الاجتماعي وأتساع وسائل الاتصال. فهل تبدو المواطنة الموريتانية بمنئ عن التجاذبات ومخاطرها؟

إن الهياكل الاجتماعية الموريتانية توفر معايير ايجابية عند استغلالها العقلاني لدعم قوة الانسجام لمكونات الأمة في مجملها، أمام الوضعية السياسية الحالية وما يميزها من توجهات بعض الفاعلين السياسيين الهادفة إلي التنافر وبث روح الفتنة والشتات بين مكونات وطبقات المجتمع الموريتاني.

فالساحة السياسية الوطنية تشهد هذه الأيام إيقاع حراك سياسي حاد في شكله وعميق في مضمونه ،يعطي الانطباع بأكثر من دلالة علي وجود أزمة سياسية خانقة في البلد ،ولو كانت مفتعلة من قبل أطراف لها مصلحة في زعزعة استقرار النظام السياسي الحالي الذي ولد من رحم أزمة  دستورية عرفتها البلاد طيلة السنوات الماضية.

هذا المشهد السياسي تحركه نوايا خفية وفقا لأجندة مبيتة همها الوحيد الوقوف بالبلد علي بركان قابل للانفجار في أية لحظة مهما كانت الدوافع والمسوغات الغير موجودة أصلا خارجة مخيلة قلة من السياسيين الانتهازيين بصفتهم المحرك الرئيسي لدواليب اللعبة السياسية ولوعن بعد ،حتى تكريس نمط وأسلوب ضاع به الزمن وولت عليه الحرف المتهالكة وتقاعست عنه أحاسيس المنظرين والمؤطرين من هذا الجانب أو ذاك.

كما أن معايير التنمية في شتي المجالات بما فيها تقليص الفوارق الاجتماعية تظل مطلبا شعبيا وأمرا تطبيقيا ملحا، لضمان السلم المدني، أمام ما يوفره الجهل والبحث عن السلطة بأي ثمن كان، الشيء الذي يغذي النزاعات القائمة في البقاء على مسار الدول السائرة في طريق النمو، المشكل الأساسي للنزاعات العرقية في بلد يظل بحاجة إلي نسيج متكامل غير قابل للاندثار، بفضل الدين الإسلامي الواحد والمذهب العقائدي الواحد وروح الانتماء إلي الوطن الأم ،علي الرغم من التجاذبات التاريخية بين الشمال والجنوب، والتي ظلت تصطدم بهوي الذات ومفارقات الأحداث بفعل الميول العرقية تارة والأطماع السياسية الضيقة تارة أخري.

اليوم مثل الأمس يشكل الوعي بالوطنية وأهمية الانتماء إلي الوطن والذود عن مقدسات البلد، باعتبارها مكاسب وطنية للجميع بالإضافة إلي التنمية المستدامة، حافزا دينيا وأخلاقيا وثوابت وطنية لم تعد قابلة للاستيراد، بل تنشأ من الخطط التنموية المنسجمة، التي تأخذ في الحسبان الخصوصيات الاجتماعية والمؤهلات والرصيد القائم لكل مجتمع علي حده.

 فالمرحلة الحالية تفرض علي جميع أفراد المجتمع السياسي الموريتاني إحداث تحول ديمقراطي في المشاركة السياسية الذاتية والجماعية ،وذالك من أجل إنجاز المهام المصيرية الكبرى كضمان للأمن والاستقرار والحفاظ علي الوحدة الوطنية وتحقيق مستوي مرضي من التنمية ،كما انه يتحتم علي النخب السياسية الوطنية أن تنحني جانبا الأغراض الشخصية وأن تبحث المشكلات الحقيقة التي تعيق التحول الديمقراطي ،فبقدر ما ينجح الجميع في التحلي بالمسؤولية وتقديم المصلحة العامة علي المصالح الضيقة بقدر ما يرتفع مستوي التفاهم بين الفرقاء السياسيين وتضييق الهوة بينهم.

فالحداثة وما تلغي به من ظلال علي التوازنات التقليدية، التي ظلت عرضة للغزو الفكري الممنهج، القادم من خارج الحدود الإقليمية من جهة، والتأثير المتباين للأوضاع المغايرة شكلا ومضمونا من جهة أخري، بل علي الجميع القراءة الصحيحة بين السطور لكي لا يكون عرضة لعاصفة الرياح والأمواج فوق سفينة في مهب الريح، الشيء الذي يدفع قادة الرأي والنخب المتنافرة في المصالح إلي التحكم ولو عن بعد في مجريات أمور، تتطلب قدرا كبيرا من اليقظة وتحكيم الضمائر الحرة والنزيهة في مصير الشعوب، بدل الغوص في متاهات قد لا تحمل الكثير الايجابي لصالح شعب أبي معتز بانتمائه الحضاري.

لقد أصبحت المعمورة مهددة بمخاطر عدة، يأتي في مقدمتها الإرهاب الفكري الخفي، ذو الأبعاد المتعددة وما يحمله من حرب ضروس تخاض بدون الجيوش المدعمة بالمدرعات والدبابات، بل الأخطر من ذالك تنوع أهدافها ومغزاها واحد، هو درب مقدسات البلد في عمقها والنيل من وحدة الشعب وتماسكه وتلاحم أطيافه، إنها الإبادة الحقيقة، التي تتطلب تضافر جهود القوي الحية لصناعة منبر حر لتلاقي الأفكار والمبادئ حول حوار بناء وجاد لمختلف التوجهات المصيرية لكيان الأمة، قصد تحصين جسمنا الواحد في ظل نظام ديمقراطي تعددي يضمن الحقوق ويكفل الواجبات، في جو مشحون بالتوترات الإقليمية وما يستخلص من دروس الانهيار التي عصفت ببلدان متشابهة في المصادر والطبيعية الجيوسياسية.

هذه الأحداث المتتالية وبوتيرة سريعة تفرض علينا كمثقفين وقادة رأي ونخب اخذ زمام المبادرة في تنمية ونشر الوعي المدني لدي الشرائح العريضة من المجتمع، انطلاقا من خصوصيات البلد ومصالحه العليا المشتركة، كما يتحتم علينا خلق جبهة وطنية داخلية تشكل الحصن المنيع للانزلاقات المحتملة والهادفة من بين أمور أخري إلي المساس بمكتسبات الشعب باعتبارها خطوط حمراء غير قابلة للمساومة، حتى في ظل ما يوفره الانفتاح الديمقراطي التعددي من حريات، واتساع في رقعة الممارسة الفعلية التطبيقية، بعيدا عن الوصاية والقيود الشائكة، مما قد يؤدي لسوء الاستخدام المفرط، له عواقبه الغير محتملة وبثمن وتكاليف عكس التيار الإصلاحي للتغيير البناء.

إن التعاطي مع الشأن العام يملي علينا جميعا موالاة ومعارضة، التقيد بالانحياز إلي التفاهم حول القضايا الجوهرية المصيرية لتشييد دولة قابلة للبقاء، رغم انف الظروف المناخية الصعبة ونتائج الأزمات الدولية الاقتصادية والسياسية والتأثيرات المتبادلة التي ولدها التطور التكنولوجي الفائق لوسائل الاتصال واختراق العقول البشرية.

هذا الاستنتاج لا يرمي بنا في أحضان اليأس أو النظرة التشاؤمية بقدر ما يوحي بالواقع والاعتراف بنهج تغييره انطلاقا من سد الثغرات ومواصلة المسار الإصلاحي الهادف والبناء وفقا لأسس دولة الحق والقانون ،فكيف يحتل مفهوم المواطنة مكان الانتماءات التقليدية ؟ وكيف يتخلص المواطن من الإرث الثقيل المخزن في ذاكرته ؟ وكيف تحتل النظرة العقلانية والموضوعية مكان النظرة العاطفية ؟ كيف نسمو عن تفكير المنظومة التقليدية لنتواضع أمام العصرنة والقانون ؟

إن هذا الانقلاب في التفكير هو الآلية الكفيلة بجعل الإنسان الموريتاني ينتصر علي نفسه لصالح الدولة ومنطقها ولصالح الثقافة الديمقراطية وبناء مشروع متكامل محصن قابل للبقاء.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة