تقارير

وادان: صحراء ميديا ترصد مشاهد حية من مدينة تأبى الاندثار رغم العزلة والظروف المناخية

تحاول وادان محو اللون “الأحمر” من على خريطة المنطقة، واستعادة الزهو السياحي

وادان ـ سعيد ولد حبيب

ينبري عمال البناء في مهمة ماكياج مستمرة لمدينة وادان التاريخية، لتبدو في حلة جديدة أمام مئات الزوار والسياح القادمين إليها من مختلف نواحي موريتانيا ومن خارجها، حركة نشطة لممثلي المدن الأثرية المشاركة في التظاهرة بعضهم يبني وبعضهم يرسم وآخرون يتجولون داخل لوحة لما يرفع بعد عنها الرسامون ريّشهم.

“منذ أيام نعمل على إعداد المنصة الرئيسية لدينا حجارة الولاية وأصباغ من كل الألوان نعمل في هذا الصقيع في سباق مع الوقت” يعلق إبراهيم، الفنان التشكيلي القادم على بساط الريح من مدينة نواذيبو على شاطئ الأطلسي وهو ينفخ من عود سيجارته دخانا يتبدد في سماء المدينة الواقعة في عين عاصفة الصحراء.
تعود الذاكرة بالمهندسين وهم يحاولون إعادة رسم الناس والحياة القديمة لمدينة تصنف ضمن التراث العالمي للإنسانية بحسب المنظمات الدولية، فهذا رسام آخر يعمل بياض نهاره على إعداد لوحة المهرجان لإهدائها إلى مدينة وادان حسب ما يقول.
يعتمر الرجال قطع القماش فوق رؤوسهم وعلى أعناقهم، يؤكدون الصفة الأثيرة لسكان بلاد الملثمين، تبهر رباعيات الدفع ووجوها قادمة من خارج البلاد عقول أبناء البلدة فيحدقون بعيونهم صوب كل غريب ويتسابقون في تلبية رغبته.
خوليو الاسباني الذي قدم خدمات للبلدية على مدى عدة سنوات، يغادر إلى بلاده وهو يضيف إلى كناشه شهادات تقدير وأوسمة منحتها له بلدية وادان لقاء الدعم الذي يقول العمدة إن بلديته حظيت به من طرف التعاون الاسباني، أحب خوليو الخمسيني البلدة ليفتخر بالانتساب إليها: “اسمي يوسف ولد وادان” يقول الرجل الذي يزور المدينة بعد أربع سنوات من الغياب.
غياب تزامن مع استهداف سياح غربيين قرب الاك وتزايد نشاط القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي في المنطقة، والقرار الذي أصدرته الخارجية الفرنسية تحذر فيه رعاياها من التوجه إلى العديد من مناطق الساحل عموما وموريتانيا خصوصا بوصفها مناطق درجة الخطر “الحمراء”.
بدت جدران المدينة القديمة التي يصل عمرها لما يقارب 1000 عام متماسكة بعد أن رفع عنها عمال برتغاليون اليد بعد سنوات من الترميم، كان البرتغاليون يحاولون إعادة الثقة إلى نفوس السكان الذين سبق لأجدادهم أن رفضوا الوجود الاستعماري قبل قرون على أراضيهم عندما طردوا التمثيلية التجارية التي فتحها البرتغاليون في حملاتهم على المنطقة.
“الحملات الأوروبية كانت تنتهي على أسوار المدينة” يعلق إمام المسجد القديم وهو يسرد جزءا من تاريخ طويل، قبل أن يضيف “لعل الإسلام دخل إلى هذه المنطقة في القرن الثاني الهجري (135هـ)، لكن الفاتحين ترسخت أقدامهم ونشروا تعاليم الدين الإسلامي والثقافة العربية منذ انهيار الأندلس ووصول المرابطين إلى  هذه المنطقة التي كانت نقطة تلاقي القوافل رابطة بين بلدان الساحل في تجانس ثقافي واجتماعي بين  صنهاجة والسودان والعرب “، كان الإمام يتحدث بفخر عن مدينته التي ترقد في ضواحيها قبور البافوريين وتبحث عن من يزورها.
توقفت مقصلة الأمير عن العمل منذ أن انتهت آخر إمارة في البلدة، فقد كانت الأحكام تنفذ ضد المخالفين على مقصلة صنعت أركانها من حجارة ووقف جذع نخل منتصبا ليشهد على أحكام تم تطبيقها في سالف الأيام، وغير بعيد من شواهد ذلك النظام السياسي صخرة صماء كقطعة أثرية اعتبرت في زمانها محكا حقيقيا لقدرة الرجال على تحمل المسؤوليات: كان الرجال يدعون إلى اختبار القوة عند هذه الصخرة فمن يتمكن من حملها يعد رجلا صالحا، تماما على الطريقة الإغريقية حسب أحد المحاضرين في ندوة فكرية.
وبالتوازي مع عبق التاريخ الذي تمتلئ به المدينة كان معدات الجيش الموريتاني تستعرض بعضا من القوة وكأنها تريد استعادة الهيبة وأملاً في تغيير الصورة التي رسمتها وزارة الخارجية الفرنسية قبل ثلاثة أعوام عن المنطقة، “من الضروري إغراء السياح الأجانب بسحر وجاذبية مدينة قديمة كوادان، فلا مجال للمساحة الحمراء التي صبغ بها جزء من خريطة البلاد”، يعلق موظف بوزارة الثقافة الموريتانية.
والى جانب وادان تنتصب خيام أخواتها؛ تيشيت، ولاتة وشنقيط، لتتردد أصداؤها عبر محاضرات وندوات ثقافية وفكرية ومعارض لمنتجات تقليدية وقطع فلكلورية وأثرية ومدائح ورقصات شعبية يكسر بمتابعتها الزوار روتين النسخة الثانية من مهرجان المدن القديمة.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة