الرأي

وثيقة حول الأزمة السياسية الحالية.. أسبابها أطرافها مآلاتها والمخرج منها

وثيقة حول الأزمة السياسية الحالية.. أسبابها أطرافها مآلاتها والمخرج منها

إلى الذين لا يعرفونني أقول لهم إنني لا أحترف الكتابة ولا أعشق الظهور أما الذين يعرفونني فسيدركون دون عناء أن لخروجي عن صمتي الطويل مبررات ملحة لعل أبرزها الإلحاح المتواصل الذي واجهني به بعض الإخوة الكرام راجين مني بيان وجهة نظري الشخصية حول الأزمة السياسية الحالية إثراءا وترشيدا للممارسة الديمقراطية.

مما جعلني لا أجد بدا من الاستجابة لهم متوكلا على الله مقررا انتهاج أسلوب مغاير للمألوف في مثل هذه المواقف من اصطفاف سياسي، متوخيا أسلوبا يعتمد النصح ويسعى لإنصاف الجميع ويتيح للقارئ الكريم القيام بنفسه بالحكم على ترجيح إحدى كفتي الميزان سلبا وإيجابا مع تلمس القواسم المشتركة التي يمكن أن يركن إليها الجميع وسوف ينصب اهتمامي بشكل خاص حول المحاور التالية:
– محاولة إعادة قراءة شريط الأحداث الماضية القريبة نسبيا والممتدة على مدار عقد من الزمن لعل في ذلك عونا للجميع على معرفة جذور الأزمة الحالية والقيام بالنقد الذاتي المطلوب.
– النزوع نحو الأسلوب العلمي والسردي مبتعدا ما أمكن عن الأسلوب الإنشائي الفضفاض معطيا الأولوية للغة الأرقام ناحيا نفس المنحى الذي نحاه رئيس الجمهورية في خطاب انواذيبو ومنسقية المعارضة في الوثيقة التقييمية الصادرة عنها مؤخرا.
– تحديد أسباب الأزمة الحالية وأطرافها ومآلاتها وتوضيح المخرج منها.
– استقصاء الجهود المبذولة حاليا من طرف رئيس الجمهورية على طريق الإصلاح والتغيير وتجديد الطبقة السياسية ومحاربة الفساد ودفع عجلة التنمية في كافة المجالات سبيلا لمقارنتها بمخرجات الربيع العربي التي تمثل المرجعية الحالية المفضلة لدى الكثيرين.
– نصيحة أخوية صادقة إلى إخوتي الأفاضل في حزب تواصل حول ضرورة الحرص الدائم على الالتزام بأدبيات الخطاب الإسلامي السياسي المعروفة والتي تحمل الخير للجميع.

لا شك أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني يلاحظ منذ بعض الوقت بروز خطاب سياسي تصعيدي يتبادله الفرقاء السياسيون يعكس مستوى الانعدام التام للثقة الذي وصلت إليه بعض أطراف الطبقة السياسية الوطنية فهل دقت فعلا ساعة المواجهة وهل وصل الخصوم إلى نقطة اللاعودة على طريق الصدام المباشر وهل نحن أمام المحطة الأخيرة من صراع الوجود بين الطرفين التي ستضع حدا نهائيا لأحدهما، أم أنه لا يزال ثمة متسع من الوقت أمام الجانبين للاحتكام للشعب الموريتاني ليقول كلمته من خلال صناديق الاقتراع هل يوجد مستوى كبير من الاحتقان على ساحتنا السياسية؟ ذلك ما يبدو على الأقل من خلال الخطاب السياسي الذي تم تبادله خلال الأسابيع الأخيرة. حيث تقول المعارضة الحوار لم يعد هو الحل الحل الوحيد هو الرحيل: ارحل! ارحل!.
فيجيب رئيس الجمهورية من الطرف الآخر لا حوار، لا حوار، لا حوار، لا حوار….. لن أتغير
بعبارة أخرى هل توجد موريتانيا ضمن أجنديات إقليمية ودولية تحاول جرها إلى ميدان الربيع العربي والشتاء الإفريقي على حد تعبير البعض ما حقيقة الأزمة السياسية الراهنة؟ ما أطرافها؟ ما هي مآلاتها؟ ما المخرج منها؟
أسئلة معقدة سنحاول الإجابة عليها من خلال هذه الوثيقة متجنبين ما وسعنا ذلك لغة الهجوم المجرح والاصطفاف الفج محاولين تلمس الجوانب المضيئة والنقاط الإيجابية التي تعتبر مكتسبات وطنية بالسنبة للجميع.
ومن أجل استجلاء الصورة واستبيان أسباب الوضع الراهن لابد كما قلنا سابقا من الرجوع قليلا إلى الوراء لنضع تحت المجهر الفترة الماضية التي يعتبر صناع أحداثها هم الأطراف الحقيقيون للأزمة الحالية وهي الفترة التي أطلقت عليها عقد التحولات الكبرى في مسار الدولة الوطنية الحديثة والممتدة ما بين سنتي 2003 – 2012:
تعتبر هذه الفترة بامتياز فترة احتدام الصراع بين جيلين من الطبقة السياسية الوطنية منقسمين إلى تيارين رئيستين: طبقة سياسية تقليدية قديمة، ونخب جديدة تسعى للتغيير والإصلاح وقد شكلت سنة 2003 البداية الفعلية لاحتدام الصراع بين الطرفين الذي لا يزال مستمرا دون حسم حتى الآن وعلى مدار عقد كامل من الزمان وسوف نقسم هذا العقد إلى خمس فترات مستقلة عن بعضها البعض على النحو التالي:
من 2003 حتى 2005
من 2005 حتى 2007
من 2007 حتى 2008
من 2008 حتى 2009
من 2009 حتى 2012
لكن لابد قبل الدخول في تفاصيل الوضعية الحالية من القيام بالتوضيحات التالية:
– استعراض نجاحات وإخفاقات كل فترة على حدة إنصافا للجميع فموريتانيا فوق الكل.
– تعتبر هذه الفترة أو ما أسميته عقد التحولات الكبرى مرحلة فارقة في تاريخ البلاد ستتوج بالصراع السياسي الراهن الذي سوف ينتهي حتما من خلال انتصار أحد الطرفين.
– عند الحديث عن الفساد فليكن واضحا للجميع أنه لا يتعلق بجهة اجتماعية أو سياسية معينة حيث أنه أمر طبع الحياة العامة خلال كافة العقود الماضية بحيث عمت به البلوى مدة زمنية طويلة.
– إن صناع أحداث عقد التحولات الكبرى لا يزالون الممسكون الحقيقيون بخيوط اللعبة السياسية الوطنية والمسيطرون على إدارة دفة التجاذب الحالي الحاد.
أيها القارئ الكريم أرجو منك المعذرة إذا كنت أطلت عليك بهذه المقدمة الطويلة لكنني قصدت من وراء ذلك تناول الأحداث الحالية ضمن سياقها الحقيقي الذي يفور ويمور منذ سنوات طويلة ولنبدأ الآن في استعراض المراحل تباعا.

المرحلة الأولى

من 2003 حتى 2005: شكلت هذه الفترة نقطة انطلاق موريتانيا نحو الأزمة السياسية الراهنة وهيأت لها مطلقة شرارة أحداث استقطاب سياسي غير مسبوق في البلاد وذلك بعد أن أصبحت البلاد في ذلك الوقت تتخطب في أزمة سياسية معقدة الأبعاد يطبعها سياسيا مصادرة الحريات العامة والضغط السياسي بكافة أنواعه ويطبعها اقتصاديا فساد مستشر ينخر جسم الدولة وتطبعها من الناحية الأمنية مطاردات واعتقالات وهجمات إرهابية حصل ذلك كله كنتيجة حتمية لتراكم المشاكل والأزمات من كافة الأنواع على مدار حكم نظام استمر عقدين من الزمن مؤديا إلى احتقان شديد بدا أن البلاد دخلت بفعله منعطفا حاسما وهو ما عبر عنه الرئيس الأسبق السيد معاوية ولد الطايع أثناء إلقائه لخطاب شعبي في مدينة كيفه خلال شهر ابريل 2003 قائلا عن أغلبيته وأعوانه المقربين إنهم يخدعونه من خلال حجب الحقيقة عنه وعدم تطبيق تعليماته واضعا بذلك نهاية لحكمه بنفسه لتصل الرسالة إلى أركان نظامه وخصومه على السواء معطية بذلك إشارة الضوء الأخضر لدخول موريتانيا مرحلة صراع جدي على السلطة وقد تجلى ذلك في محاولة انقلابية نظمتها بعض قوى المعارضة آنذاك بالتعاون مع ضباط في الجيش لتبوء بالفشل تاركة تصدعا كبيرا في جسم النظام وهيبته قبل أن تعيد نفس المجموعة الكرة سنة 2004 من خلال محاولة ثانية فاشلة، لتصل الرسالة الأخيرة إلى أركان النظام داخل المؤسسة العسكرية فيقرروا الإطاحة بالرئيس من خلال انقلاب أبيض هادئ ومدروس في 3 أغسطس 2005، ويمكن أن نحوصل هنا نقاط القوة والضعف التي هيمنت على هذه الفترة في ما يلي مبتدئين بنقاط القوة:
– كان النظام الحاكم حينها يحظى بدعم حزب سلطوي قوي يبسط سيطرته التامة على المشهد السياسي باسم الدولة ووسائلها وتحت رئاسة رئيسه رئيس الجمهورية.
– كان رأس النظام وأعوانه الكبار يتمتعون بخبرة جيدة في الخريطة الاجتماعية والسياسية للبلاد نتيجة سنوات حكمهم الطويلة مما جعلهم يراعون مختلف التوازنات في توزيع تداولي للكعكة بين أطراف البلاد المختلفة.
– كان النظام يحسن الخطاب الديماغوجي المدغدغ للمشاعر والسريع التكيف مع المعطيات المستجدة محليا وإقليميا ودوليا بحيث كان يلبس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها مستندا إلى تجربة غنية في دهاليز الحكم والدولة.
أما أهم نقاط ضعفه فتمثلت في استهدافه الدائم لمعارضيه السياسيين من خلال تشتيت صفوفهم مستخدما منهج الترغيب والترهيب الذي أدى إلى تقسيم معارضة النظام إلى:
– معارضة مطاردة في الخارج، معارضة مسجونة في الداخل، ومعارضة محاصرة في نشاطاتها ومضيق على أحزابها تضييقا وصل في أحيان كثيرة إلى الحل المتكرر للأحزاب المعارضة.
– تسخير أجهزة الدولة المختلفة وإدارتها العمومية ووسائل إعلامها لخدمة وتمجيد شخص الرئيس وموالاته في حين تمنع المعارضة منعا باتا من الاستفادة من خدمات هذه المرافق العمومية.
– وصل الفساد بكافة أصنافه خلال هذه الفترة أوجه وذلك بفعل السياسات المتعاقبة والمتناقضة على مدار أزيد من عقدين من الزمن وهي بالفعل فترة طويلة يستحيل معها الاستمرار في سياسة رشيدة.

المرحلة الثانية
من 2005 حتى 2007: سقط معاوية لكن نظامه استمر وتمثل ذلك في استدعاء أحد وزرائه الأول السابقين لشغل نفس المنصب من جديد لكن هذه المرة تحت رئاسة رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الذي ليس سوى المدير السابق للأمن الوطني طيلة حكم معاوية مخرجين تشكلة وزارية تنتمي إلى قيادات الصف الثاني من الحزب الحاكم سابقا مكتفين برمي بعض الفتات لجهات محسوبة على المعارضة ذرا للرماد في العيون لكن أهم ما طبع هذه الفترة هو التدخل السريع والمباشر لشركاء موريتانيا الدوليين بغية رسم خارطة طريق ملزمة للقادة الجدد لموريتانيا تحت حجة انقلابهم على الشرعية الدستورية وتعطيلهم لدستور يوليو 1991 وقد تم ذلك من خلال تفعيل الاتحاد الأوروبي للمادة 96 من اتفاقية كوتونو التي تربط الاتحاد مع الدول الإفريقية والتي وقعت عليها موريتانيا وتحظر بشكل جازم وحازم أي مساس بالنظام الدستوري على الدول الأعضاء مما فرض على القادة الجدد الدخول في حوار مباشر في ابروكسل تحت طائلة التعرض للعقوبات الجماعية والفردية وهو ما أتاح التوقيع على اتفاقية يلتزم بموجبها الطرف الموريتاني بـ 24 توصية تصب جميعها في اتجاه تطوير الممارسة الديمقراطية وتوطيد أركان الحكم الدستوري وهي التوصيات التي نالت محليا إجماعا وطنيا توج بتنظيم منتديات عامة للديمقراطية وضعت آلية وطنية لتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة بلدية وبرلمانية ورئاسية تمكن البلاد من الرجوع للشرعية الدستورية وقد تجلت حصيلة هذه الفترة الانتقالية القصيرة في ما يلي:
على مستوى الإيجابيات:
– إرساء آلية دستورية تضمن التناوب السلمي على السلطة لأول مرة في البلاد وتتيح نوعا من التوازن بين المعارضة والأغلبية من خلال ترسيم دور مؤسسة المعارضة الدستورية.
– إجراء انتخابات نزيهة وشفافة وتوافقية تحت إشراف مستقل ومراقبة دولية بغية استعادة الحكم الدستوري في البلاد.

أما على مستوى السلبيات فقد تمثلت أهمها خلال هذه الفترة في:
– ترك ثغرات مؤسسية تهدد نظامنا الدستوري بشكل دائم كان أبرزها عدم تجريم التغييرات غير الدستورية أي الانقلابات العسكرية التي بقيت ثغرة غائرة في جسم منظومتنا المؤسسية والدستورية حتى وقت قريب.
–  لم يتم فتح ملفات الفساد وفضل الحكام الجدد الضرب صفحا عن هذا الاتجاه مما أدى إلى استمراره ربما بوتيرة أسرع خلال هذه الفترة.
– تأجيل بعض القضايا الحساسة بحجة أن حلها يتطلب وقتا طويلا وتشاورا واسعا لا تتيحه الفترة الانتقالية القصيرة مثل قضية اللاجئين وملف الإرث الإنساني وقضية الاسترقاق وتحرير الفضاء السمعي البصري.
– عدم إعطاء التأشيرة القانونية للأحزاب التي لها أدنى صلة بالإسلاميين وقد تجلى ذلك في منع الترخيص لحزب حمد ومجموعة الإصلاحيين الوسطيين.
– عدم تحديد الوضع الدستوري للجيش الوطني وقوى الأمن بغية إلزامهم بالحياد التام والامتناع عن التعاطي السياسي أيا كان شكله.

المرحلة الثالثة:
من 2007 حتى 2008: نصب الرئيس الجديد وسط اعتراف ومباركة محلية ودولية مشهودة ليستبشر الموريتانيون عموما خيرا باستعادة النظام الدستوري مؤملين الدخول في مرحلة جديدة يطبعها الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية غير أن بعض الأطراف السياسية أصرت على المبادرة إلى تصفية حساباتها مع خصومها السابقين وهو ما ألقى بظلاله على المشهد السياسي الوطني لتخيم عليه أجواء الصراع والاحتقان السياسي من جديد من خلال محاولة فلول الأنظمة السابقة معززين بأقطاب في المعارضة فك الشراكة السياسية التي كانت قائمة بين أقطاب الحكم آنذاك بعد أن اعتبر الطرف المهاجم أنه رتب أوضاعه وأعاد تنظيم صفوفه ليخرج الصراع للعلن في مايو 2008 وحينها بدأت خيوط اللعبة تتكشف وبدا أنه لابد لأحد الطرفين أن يتخلص من شريكه وبدأ الشريكين في الاستعداد للحسم من خلال استقطاب الفاعلين الكبار المتمثلين في المؤسسات الجمهورية التالية:
– المؤسسة الرئاسية
– المؤسسة التشريعية
– المؤسسة العسكرية

نستعرض هنا في عجالة النقاط الإيجابية والسلبية لهذه المرحلة القصيرة ونبدأ بإيجابياتها:
– تشكيل حكومة تكنوقراط جيدة الكفاءة عموما عكفت تبعا لخلفية أغلب أعضائها كمنتسبين سابقين لهيئات ومنظمات إقليمية ودولية على إعداد العديد من الدراسات بغية إلزام أعضاء الحكومة بتنفيذ ما عرف حينها برسائل المهام مع الإشارة إلى بعض المبالغة أدت أحيانا إلى رتابة وبطئ ملحوظ في العمل الحكومي.
– تم التفريق في عهد هذه الحكومة نظريا على الأقل بين المناصب الإدارية السياسية والمناصب الإدارية الفنية البحتة وقد تجلى ذلك في إصدار مرسوم يتيح للجميع أغلبية ومعارضة فرصا متكافئة للولوج إلى المناصب الإدارية الفنية من خلال مسابقات علنية ويحتكر فقط المناصب الإدارية السياسية على الأغلبية وهو ما أدى إلى تكريس صورة جديدة عن الإدارة العمومية للمرة الأولى في تاريخ البلاد.
أما النقاط السلبية فإن أبرزها:
– اصطفاف رئيس الجمهورية الفج إلى جانب الطبقة السياسية التقليدية وإقصائه للقوى المطالبة بالتغيير والإصلاح وقد تجسد ذلك من خلال قيامه بإعادة الاعتبار إلى الذين يصطلح شعبيا على تسميتهم بـ”رموز الفساد” ليعتمد عليهم كحكومة ظل أولا قبل أن يحل حكومته ويدخلهم رسميا ضمن الطاقم الوزاري الجديد.
– كانت تركبة الحكومة في هذه المرحلة عبارة عن محاصصة سياسية فرضتها معادلة انتخابية ضاغطة انعكست على شكل تحالفات الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية 2007 مما أدى إلى بروز خليط غير متجانس سوف يستحيل تعايشه لاحقا.
– اصطدام الرئيس المنتخب حينها ومعاونيه المقربين بمؤسستي البرلمان والعسكر وتلويحه بتعطيل عمل البرلمان أو حله الشيء الذي أدى إلى انسحاب أغلبية البرلمانيين وبعد شد وجذب بين الطرفين حسمت المؤسسة التشريعية الصراع من خلال اصطفافها إلى جانب المؤسسة العسكرية وانسحابها من الحزب الحاكم حينها (عادل) وعند ذلك لجأ الرئيس إلى إقالة جماعية لرموز المؤسسة العسكرية وقياداتها فكان أن انقلبوا عليه صبيحة يوم السادس أغسطس 2008.

المرحلة الرابعة

من 2008 إلى يوليو 2009: دخلت البلاد ثاني فترة انتقالية قادها هذه المرة المجلس الأعلى للدولة لتقع في أزمة دستورية جديدة فرضت مرة ثانية تدخل أطراف إقليمية ودولية بهدف إعادة البلاد إلى النظام الدستوري وبذلت جهود مضنية في هذا السبيل توجت في الأخير بتوقيع اتفاق دكار ذائع الصيت بين أطراف الأزمة الدستورية وبرعاية دولية وهو ما مهد لإجراء انتخابات 18 يوليو 2009 بعد استقالة متزامنة لرئيس المجلس الأعلى والرئيس المنتخب وتسليم السلطة بشكل دستوري إلى رئيس مجلس الشيوخ.
– وتتمثل أهم إيجابيات هذه المرحلة في تمكن المعارضة بطرفيها التكتل وجبهة الدفاع عن الديمقراطية من إفشال الانقلاب والعودة إلى الوضع الدستوري من خلال إصرارهم على ضرورة استقالة الرئيس المنتخب وإجراء انتخابات رئاسية توافقية تحت سقف دستوري لأول مرة.
– تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل الأطراف الثلاثة وإعطائها الصلاحيات التامة لتنظيم الانتخابات للمرة الأولى.
– يسجل للرئيس المنتخب تنازله الطوعي في النهاية عن السلطة ودعوته العلنية في خطاب استقالته الشهير كافة الفرقاء إلى منح من يختاره الشعب لرئاسته فترة 5 سنوات كاملة التي ينص عليها الدستور كعهدة رئاسية ملزمة للجميع.
– يسجل لاتفاق دكار تكريسه لنهج الحوار الوطني كطريق وحيد لحلحلة الأزمة السياسية والدستورية.
– يسجل لاتفاق دكار ترسيمه لوضع الجيش من خلال اتفاق الأطراف على إقامة مجلس وطني دائم للدفاع والأمن.
ولا تفوتنا الإشارة هنا للتنويه بالمستوى العالي من نضج طبقتنا السياسية الذي مكنها من الوصول إلى مخرج مشرف للجميع عن طريق الحوار لا غالب فيه ولا مغلوب وهو ما جعلنا نعتبر حصيلة هذه الفترة إيجابية بشكل عام.

المرحلة الخامسة

من 2009 حتى 2012: نصب الرئيس المنتخب في 5 أغسطس 2009 بعد استيفاء كافة المساطر والإجراءات ذات الصلة وكان ذلك من قبل رئيس المجلس الدستوري وسط احتفالية كبيرة لأنصاره ومقاطعة شديدة لمعارضيه فأشرأبت أعناق الموريتانيين نحو عهد جديد يتوقع الجميع أن تكون سماته البارزة هي:
– حرب على الفساد والمفسدين.
– تجديد للطبقة السياسية ودعم لقوى التغيير والإصلاح.
– إعطاء الأولوية للفئات الشعبية الأكثر هشاشة من الفقراء والمهمشين.
– إعادة إطلاق عجلة التنمية الشاملة للبلاد المتعطلة منذ سنوات.
في المقابل خلد المعارضون للرئيس المنتخب إلى قليل من الراحة ليتمكنوا من تجاوز الصدمة التي خلفها لديهم النجاح المباغت لغريمهم السياسي في الشوط الأول من الانتخابات عكسا لكل توقعاتهم وتنفسوا الصعداء وبدأوا يلملمون أوراقهم للمساومة مع الرئيس الجديد على مصالحهم الضيقة وعادت حليمة إلى عادتها القديمة لكنهم اصطدموا بصخرة صلبة لم يألفوها من ذي قبل وتتمثل ببساطة في أن هذا الرئيس من النوع الذي لا يقبل المساومات والمبايعات في الظلام وتقاسم السلطة أو قل بعبارة أخرى لا يقبل تقاسم السلطة مع خصومه كما عبر هو نفسه عن ذلك علنا مرارا فولوا أدراجهم راضين من الغنيمة بالإياب وبدأوا يتلمسون الطريق إلى محطتهم في الرحلة القادمة وما أن لاحت بشائر الربيع العربي حتى بدأوا يتباشرون وراحوا يسرجون خيولهم على وقع نقع الثورة العربية المباركة عساها تمنحهم الفرصة للإطاحة بخصمهم فبادروا يستنسخون آلياتها بدقة متناهية مبدعين في ذلك لافتات وعناوين شتى ويمموا قبة البرلمان لإطلاق شرارة الثورة متبارين في إظهار أداء خطابي يحرك كوامن النفس ويدغدغ مشاعر الثوار الجدد مؤذنا ببداية الربيع في موريتانيا الدولة الحلوب لعل الله ينبت لهم الزرع ويدر لهم الضرع فالسياسيون الموريتانيون لا يطيقون جفاف الدولة التي ظل قائلهم يردد بإحدى لهجاتها المحلية: “أن مالها مال هوش” فهل تحنو موريتانيا الرسمية على طبقتها السياسية حنو المرضعات على الفطيم أم لا؟
لكن ما يهمنا نحن هنا هو إجراء مقارنة دقيقة بين ما حصل في الربيع العربي أصنافا وأسبابا ونتائج وما تشهده بلادنا من أزمة سياسية متصاعدة وما هي أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بين الحالتين.
يمكن تصنيف الربيع العربي إلى قسمين أساسيين:
1- الثورة والاحتجاجات العنيفة التي تؤدي إلى إراقة دماء بريئة كثمن لفرض التغيير وقد تفاوت حجم تلك التضحيات بشكل تصاعدي من أولى دول الربيع العربي إلى آخرها (تونس – سوريا).
2- التغيير الاستباقي عن طريق تحقيق مزيد من الإصلاح والانفتاح وذلك من خلال حوار وطني يؤدي إلى الإصلاحات المنشودة كما حصل في المغرب وهو المعروف بثورة الصناديق أي أن الصندوق الانتخابي يصبح هو الحكم بين المعارضة والأغلبية مترجما بصدق الإرادة الشعبية في التجديد والتغيير السلمي المنشود.
أسباب الربيع العربي:
السبب الرئيسي يمكن اختزاله في كون الشعوب العربية صارت تواقة إلى الحرية ومتعطشة للكرامة الإنسانية وهذا هو ما أدى إلى هذه الانتفاضة التي وضعت حدا نهائيا للعقلية البائدة التي كانت مسيطرة على الشعوب العربية والمتمثلة في:
– الخوف غير المبرر من الحاكم أيا كان بما يفرض دوما طاعته العمياء.
– الانسداد السياسي المطبق حيث أن معظم الدول العربية لا تزال حتى الآن تحكمها أنظمة عائلية فاسدة أقل ما يقال عنها أن قياداتها أبدية بحيث لا تغادر القصور إلا إلى القبور بعد اتخاذ كافة التدابير الضرورية لتوريث الحكم للأبناء والعائلة بشكل عام وهو ما لا يتيح أية فرصة للتداول الديمقراطي على السلطة وفق القواعد المعروفة.
– إن أي حديث عن دستور تعددي يضمن الحريات للجميع غير وارد أصلا لأن دساتير هذه الدول مصممة على أساس تكريس حكم الفرد المطلق والحزب الحاكم الواحد.
– لم تشهد هذه الدول انتخابات نزيهة وشفافة منذ نشأتها بحيث ظلت تقتصر على انتخابات صورية الفائز الوحيد فيها معروف مسبقا وبنسبة 99%.
– انعدام التسيير الشفاف للموارد المالية للدولة وانتشار الفساد بشكل مزمن ومذهل مما يعني وجود أقلية تنعم بثراء فاحش مقابل أكثرية ترزح تحت وطأة الفقر والبطالة والتهميش وما الأحاديث المتداولة عن محاولات استرجاع بعض دول الربيع العربي لعشرات التريليونات المسروقة إلا أكبر دليل على ذلك.
هذه هي أهم أسباب الربيع العربي، أما أهم نتائجه فيمكن حصرها في ما يلي:
1- سقوط حاجز الخوف من الحاكم (المخزن) إلى غير رجعة وقد تم تأمين هذا الانهيار المدوي من خلال تقديم سقف عالي من التضحيات دماء ودمارا وخرابا لكن الشعوب العربية في النهاية أثبتت أنها شبت عن الطوق وبلغت سن الرشد وأصبحت تتحكم بزمام أمرها تماما كباقي شعوب العالم الحر.
2- الشروع في إعداد جيل جديد من الدساتير يكرس التعددية الحزبية المطلقة ويضمن التناوب السلمي على السلطة ويصون الكرامة الإنسانية والحريات الفردية والجماعية.
3- تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة أدت حتى الآن إلى صعود نجم حركات الإسلام السياسي مما جعل البعض يطلق على العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين عقد الإسلاميين بجدارة.
4- رسم خطط وبرامج تنموية شاملة ترسي قواعد عدالة اجتماعية صارمة تضمن تساوي الجميع أمام المرفق العمومي سبيلا إلى القضاء على التهميش والفقر.
ولم يكن من الغريب أن تقابل مخرجات الربيع العربي بالرفض البات من النخب الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية العربية التي دأبت على التربح غير المشروع واستغلال النفوذ وبكلمة واحدة الفساد بكافة أشكاله الشيء الذي ظل يمنع دولنا من تحقيق الإقلاع الاقتصادي رغم مقدراتها الهائلة وتركها تتخبط دائما ضمن اقتصاد ريعي هش وزبوني وبالنظر إلى الأوضاع التي تعيشها بلادنا حاليا يمكن الجزم بكل وضوح أنها قد استبقت الربيع العربي بالفعل وإذا طلبت مني أيها القارئ الكريم دليلا على ذلك فإنني أعيد إليك الكرة وأطلب منك أنت نفسك أن تقوم بإجراء مقارنة بين الأوضاع السابقة الذكر التي كانت تعيشها الدول العربية وتقارنها بالأوضاع التي تعيشها بلادنا حاليا وستكتشف الفرق الواضح بنفسك.
ويرجع استباق موريتانيا للربيع العربي حسب وجهة نظري إلى الميزة الخاصة التي يمنحها لموريتانيا ازدواج انتمائها للعالمين العربي ولإفريقيا السوداء الفرانكفونية التي هبت عليها رياح التغيير والانفتاح الديمقراطي مع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين (التسعينات) لتعيش تحولات مؤسسية هامة ضمن ما يسميه البعض تجوزا الشتاء الإفريقي الذي سبق الربيع العربي بعقدين من الزمن وذلك ما يمكن أن نقرأه في الأمور التالية:
– صدور دستور يوليو التعددي سنة 1991.
– إجراء انتخابات تعددية بلدية وتشريعية ورئاسية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم أي على مدار أزيد من عقدين من الزمن وهي فترة كافية لترقية وتجذير الممارسة الديمقراطية كوسيلة وحيدة للوصول للسلطة.
– رفض التغييرات غير الدستورية وهو ما عكسه الموقف الدولي الرفض لانقلابي 2005 و 2008 ملزما الانقلابيين في الحالتين باحترام فترة انتقالية محدودة تتوج بانتخابات.
ولنصل الآن للحديث عن الأزمة الحالية ما طبيعتها وما حقيقة ما يقوله البعض كونها أزمة متعددة الأبعاد وشديدة التعقيد وهل من مخرج منها في الإجابة على هذا السؤال يكمن مربط الفرس لكن الإجابة تتطلب تشخيصا دقيقا لأوضاع البلاد الراهنة وتسليط الضوء على جوانبها المختلفة وقد لفت انتباهي في هذا المجال السجال الخطابي الذي شهدته الساحة أخيرا وأعجبني فيه بغض النظر عن لغته غير المعهودة أحيانا لجوء الأطراف للحديث عن إنجازاتها بلغة الأرقام وهو ما عكسه على الأقل خطاب رئيس الجمهورية في انواذيبو والوثيقة التقييمية الصادرة مؤخرا عن منسقية المعارضة.
على الرغم من كوني كنت أفضل منح رئيس الجمهورية فرصة إتمام العهدة الدستورية التي أئتمنه عليها الشعب الموريتاني من خلال انتخابات 18 يوليو 2009 التوافقية وحينها فقط يمكن أن نقيم إنجازاته وإخفاقاته تمشيا مع الطلب الذي وجهه الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله غداة استقالته الطوعية راجيا من الجميع عدم استعجال النتائج قبل حلول أوانها، إلا أنه لا بأس بإجراء تقييم نصفي لأننا نوجد الآن عند منتصف المأمورية الرئاسية لكن لابد من الإشارة هنا أن العالم بأسره يعيش منذ بعض الوقت أزمات اقتصادية عصفت باقتصاديات دول وقوى عظمى ولم تسلم منها بلادنا التي اضطرت لاتخاذ تدابير خاصة للتكيف مع هذا الوضع تمثلت في:
– برنامج التدخل لخاص 2008.
– التكيف مع الأزمة الدستورية التي أدت إلى وقف العون الخارجي من 2008 حتى 2010.
– برنامج التضامن 2011 لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
– برنامج أمل 2012 لمواجهة آثار الجفاف الحاد الذي يضرب منطقة الساحل.
كما لابد من التذكير بالأوضاع السيئة التي كانت تعيشها البلاد في المجالات المختلفة حتى وقت قريب لإدراك حجم النقلة النوعية التي تحققت:
1- في مجال الإصلاح المؤسسي وتوطيد مناخ الانفتاح السياسي وتصفية مخلفات الماضي: شهدت هذه الأمور الهامة تحسنا كبيرا خلال المرحلة من 2005 إلى 2007 حيث تم تعديل دستور يوليو 1991 من خلال إضافة 6 مواد جديدة ترسي لأول مرة قواعد للتناوب السلمي على السلطة كما شهدت الفترة التي تلت ذلك الاعتراف بعشرات الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات وغيرها، وتم إلقاء الرقابة المسبقة على الإعلام المكتوب إلا أن ملف الإرث الإنساني واللاجئين وقضية الاسترقاق وتحرير الفضاء السمعي البصري ملفات ظلت تراوح مكانها ليظل الإصلاح السياسي دون المستوى المطلوب.

2- في المجال الاقتصادي والتنموي:
اتسمت الوضعية الاقتصادية المتدهورة التي عاشتها البلاد في السابق والتي طبعها نهب ممنهج للثروة بكافة مصادرها الضريبة والجمركية والمعدنية والنفطية والسمكية والعقارية وبعبارة واحدة استشراء الفساد بكافة أصنافه وتغلغله داخل مختلف مفاصل الحياة العامة وسيطرة المضاربات وهو ما أوصل البلاد غداة انقلاب 2005 إلى وضع كارثي أبرز سماته:
– عجز مزمن في الميزانية يصل أحيانا إلى حدود 40%.
– نفقات خارج الميزانية المبرمجة وصلت في بعض الحالات 35%.
– اعتماد كلي على التمويلات والمعونات الخارجية لتغذية الميزانية العامة للدولة وتوفير مصدر للعملة الصعبة على حساب إهمال مصادر الدخل الذاتية.
– التدني المفرط لقيمة الأوقية حيث هبطت قيمتها في السوق الموازية في شهر أغسطس 2005 إلى: 420 أوقية مقابل واحد أورو 313 أوقية مقابل واحد دولار في مقابل سعر صرف رسمي لدى البنك المركزي في نفس الفترة يساوي 326 أوقية للأورو الواحد و267 أوقية للدولار الواحد وهو ما يعني فرق 94 و 46 أوقية على التوالي ما بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في سوق المضاربات وهو ما جعل الدولة عاجزة عن الوفاء بسداد التزامات الفاعلين الخصوصيين والعموميين فضلا عن العجز الكبير في الميزان التجاري وميزان المدفوعات الذي لا يعطي أدنى قدرة على تغطية الواردات وهو يعني انهيار اقتصادي حتمي تحت وطأة تدهور قيمة العملة الوطنية.
– أما المعادن فقد أصبحت رخص استغلالها تباع بالمزاد العلني ويتم التلاعب بمدد استغلالها بطريقة مفتوحة لاستدرار أكبر قدر ممكن من الربح دون التفكير في بذل أي جهد ملموس لاستخراجها وما قضية رخصة استغلال منجم الفوسفات الواردة ضمن وثيقة منسقية المعارضة نفسها إلا خير دليل على ذلك التلاعب كما تضرب الاتفاقيات الموقعة باسم الدولة في هذا المجال عرض الحائط بمصالح الدولة الموريتانية مقابل استفادة المسؤولين من رشاوي وعمولات كبيرة.
– أما في مجال الضرائب والعائدات الجمركية فقد ظلت محاصيل هذين القطاعين متدنية جدا بحيث لم تتجاوز عتبة التحصيل في أحسن الحالات نسبة 47% وهو ما تعكسه بجلاء الأرصدة المدينة للخزانة الوطنية وللحساب الخاص بعائدات البترول في نهاية 2007: 32.3 مليار أوقية رصيد مدين حساب الخزينة العمومية 72.34 مليون دولار رصيد مدين الحساب الخاص بعائدات البترول.
3- وفي مجال الشفافية في تسيير المال العام ظلت الميزانية العامة للدولة إلى وقت قريب خاضعة لنهب منظم ومعروف لدى من خبروا الممارسات التي كانت سائدة والمتمثلة في محاصصة مئوية بين مختلف المتدخلين في سير إجراءات الصرف المالي فعندما كانت الدولة تصرف مبلغ 100 أوقية كانت تذهب منها 4 أواق إلى الضريبة الجزائية الدنيا و14 أوقية إلى الضريبة على القيمة المضافة و 20 أوقية لمنفذي إجراءات الدفع على مستوى وزارة المالية و 25 أوقية للآمر بالصرف و 10 أوقية للمحاسب مما يعني بقاء 31 أوقية للمورد الذي يملك ترقيما ضريبيا لكن هذا الأخير كان يلجأ من أجل زيادة ربحه في كثير من الأحيان إلى التحايل الضريبي والتحايل عند التسليم كي يستأثر بنصيب الأسد أما الصفقات العمومية فقد ظلت محصورة بين فئة قليلة من كبار الموردين يتداولونها بينهم وفق نظام محاصصة مضبوط قافزين بذلك على كافة المساطر الإجرائية المنصوصة ضمن المدونة الوطنية للصفقات العمومية أما المؤسسات العمومية والشركات الوطنية فيتم تفليسها لغرض بيعها للقطاع الخاص بثمن بخس هذا إن لم يتم تركها في حالة موت سريري عندما لا تجد من يشتريها مما يجعلها تترنح تحت الأعباء المالية للاكتتاب والتسريح الطوعي المتكررين من قبل كل مدير جديد وقد بلغت هذه الموجة أوجها من خلال ما عرف ببرامج الخوصصة والبرامج التعاقدية التي أخضعت لها المؤسسات العمومية بحيث لم ينج منها إلا مؤسسة وحيدة هي الشركة الوطنية للصناعة والمناجم التي كانت حكومة الزين ولد زيدان تنوي عرضها للبيع وقد ظل التضارب بأموال وعائدات هذه الشركات تصرفا سائدا حتى وقت قريب (سونمكس سوماغاز سونادير سونلك) متمثلا في امتلاك هذه المؤسسات لحسابين مصرفيين عند نفس المؤسسة يكون أحدهما دائن والآخر مدين.
وقد عانت موريتانيا خلال هذه الفترة من روتين إداري معقد وضعف كبير في أداء إدارتها العمومية التي كانت المستويات العلمية لأغلب كوادرها العليا محدودة جدا عكسا لما يشاع اليوم من خبرة كبيرة لدى الإداريين والمسيرين السابقين الذين لم تكن المستويات التعليمية لأغلبهم تتجاوز الابتدائية والإعدادية.
وهو ما ظل ينعكس على الضعف الكبير في القدرة الاستيعابية للتمويلات وخاصة الخارجية منها التي يتطلب صرفها خبرات بمساطر دولية معقدة وهو ما تظهره النسب المئوية التالية التي تعطي مستويات الاستيعاب للتمويلات الخارجية في ذلك الوقت:
من 0 إلى 20% تمويلات الاتحاد الأوروبي:
من 0 إلى 35% تمويلات مجموعة البنك الدولي.
من 0 إلى 80% تمويلات الصناديق العربية.
– أما المجال العقاري سواء الحضري أو الريفي فقد مثل هو الآخر أحد أكبر ساحات المضاربة والتلاعب من خلال ما عرف بالمنح المتعدد والاقتطاعات الواسعة للمتنفذين ووسطائهم ومنتسبي الإدارة الإقليمية ووزارة المالية وغيرها.
– في مجال الثروة السمكية شهدت هذه الثروة نهبا غير مسبوق من خلال ترك الحبل على الغارب لسفن الصيد عابرة المحيطات من جهات العالم الأربع لتصطاد في مياهنا الإقليمية متجاهلة كل النظم الدولية وجاعلة من الخارج وجهتها المفضلة للتسويق بالتعاون ما بين الفاعلين الوطنيين في المجال والسماسرة الدوليين وهو ما أدى في النهاية إلى تهالك الأسطول البحري وهدد بانقراض الثروة ونضوب مواطن الشغل وإذا قارنا قطاع الصيد البحري في بلادنا بنظيره بالمملكة المغربية الشقيقة تصطدمنا الأرقام التالية ففي المغرب يدر القطاع عائدات سنوية تقدر بـ1.2 مليار دولار مع توفير 300 ألف فرصة عمل أما في موريتانيا وعلى الرغم من أن شواطئها تعد ضمن الأطول والأغنى عالميا فإن عائدات القطاع لا تتجاوز سنويا 300 مليون دولار شاملة لما يدفعه الاتحاد الأوروبي ضمن اتفاقية الصيد التي تربطه ببلادنا مع الاقتصار على توفير حوالي 40 ألف وظيفة شغل في أحسن الأحوال.
– في مجال الثروة الزراعية رغم توفر بلادنا على إمكانيات زراعية ضخمة تتيح لها الاستفادة من زراعة مئات آلاف الهكتارات ما بين زراعة مروية وفيضية ومطرية فقد تم إهمال النوعين الأخيرين في الفترات الماضية مقابل التركيز على الزراعة المروية على ضفة النهر لتأتي النتيجة فشلا مدويا من خلال صرف عشرات المليارات من الأوقية بواسطة صندوق القرض الزراعي والمشاريع الزراعية الحكومية الأخرى التي باءت غالبا بالفشل وسط تبديد وتحايل كبير على الأموال العمومية وتظهر مجرد مقارنة بسيطة بين قطاعي الزراعة في بلادنا وجارتها الجنوبية السنغال الشقيقة نتيجة صادمة ففي السنغال يعتبر القطاع الزراعي المشغل الرئيسي بنسبة تصل إلى 70% من مجموع السكان النشطين مساهما بأكبر نسبة في الناتج الداخلي الخام مع أننا نمتلك تقريبا نفس المقومات التي تسمح لنا بتحقيق نهضة زراعية مماثلة.
أما في المجال الاجتماعي فالجميع يعرف ارتفاع المعدلات الوطنية الفقر والأمية وانعدام التغطية الصحية والتعليمية حيث وصلت نسبة الفقر حسب إحصائيات رسمية فيما كان يطلق عليه رسميا “مثلث الفقر” 87% مع نسبة 46% كمعدل وطني لمستوى الفقر، أما انعدام الخدمات الاجتماعية فحدث ولا حرج.

4- في مجال الأمن ومحاربة الإرهاب

ظلت موريتانيا حتى وقت قريب معبرا لكافة أنواع الجريمة العابرة للحدود من هجرة سرية باتجاه أوروبا إلى تهريب للمخدرات إلى التجارة الممنوعة بالسجائر والأسلحة والوقود وغيرها كما سقط العشرات من جنودها وبعض الرعايا الأجانب ضحية اعتداءات إرهابية آثمة ووقع آخرون في أيدي عصابات الخطف الإرهابية.
هجوم لمغيطي
هجوم الغلاوية
هجوم تورين
مصرع الفرنسيين في ألاك
اختطاف الرعايا الإسبان والإيطاليين.

وبما أننا عرضنا بعض أهم المعطيات تبرز بعض أوجه الفشل الذي كانت تتخبط فيه بلادنا حتى الأمس القريب في كافة المجالات فقد حان الوقت لقلب الصفحة والنظر إلى الوجه المشرق الذي تعكسه الآن وسوف نظهر ذلك من خلال ذكر الانجازات التي تمت متتبعين نفس المحاور السابقة محورا محورا:

1-  في مجال الإصلاح المؤسسي وتوطيد مناخ الانفتاح السياسي وتصفية مخلفات الماضي:
– تمت تسوية ملف الإرث الإنساني.
– تمت إعادة أزيد من 24 ألف لاجئ موريتاني من السنغال.
– تم تجريم الاسترقاق بنص الدستور.
– تم تجريم الانقلابات العسكرية بنص الدستور مع إعطائها صفة الجرائم غير قابلة للتقادم.
– تم تجريم التعذيب بكافة أشكاله.
– تم إدخال جرعة جديدة من التحسين لإضفاء مزيد من التوازن بين السلطات الثلاث واستقلاليتها عن بعضها البعض.
– تم تحرير الفضاء السمعي البصري.
– تم تقنين فتح الإعلام العمومي أمام الفرقاء السياسيين.
– تم المصادقة على تشكيل لجنة انتخابية مستقلة ودائمة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلالية المالية.
– عززت صلاحيات البرلمان بشكل يضمن مسؤولية الحكومة أمامه ويفرض تعيين رئيس الجمهورية لوزير أول من الأغلبية البرلمانية (نظام شبه رئاسي).
– تم ترسيم دور الأحزاب السياسية كإطار ثابت للممارسة السياسية ومنع الترحال السياسي والترشح المستقل.
– عززت النسبية لتصل إلى انتخاب حوالي 48% من النواب والمجالس المحلية بواسطتها.
– عززت مشاركة المرأة من خلال إضافة لائحة وطنية حصرية للنساء.
– تمت مراجعة وثائق الحالة المدنية بشكل يضمن حصول كل مواطن على رقم وطني وحيد وهو ما يضمن الشفافية التامة لكل الاستحقاقات الانتخابية القادمة فضلا عن استحداث وثائق سفر ابيومترية مؤمنة.
2- في المجال الاقتصادي:
حققت البلاد قفزة اقتصادية نوعية من المؤكد أنها سوف تضعها فيما لو استمرت بنفس الوتيرة أو أحسن في ركب الدول ذات الاقتصاديات الصاعدة فلأول مرة منذ استقلال البلاد يصرح رئيس الجمهورية دواما وبشكل علني أن البلاد لديها الموارد الكافية لتحقيق نهضة اقتصادية شاملة على عكس نظرائه السابقين الذين ظلوا يركزون دائما على طلب المعونات والقروض الخارجية مصورين للشعب الموريتاني أنه لا يملك أية موارد اقتصادية وهو خطئ فادح تمت بواسطته مغالطة العديد من هيئات التمويل طوال العقود الماضية بحيث ظلت تصنف موريتانيا دائما ضمن الدول الأكثر فقرا في العالم وسوف اكتفي هنا بذكر المعطيات التالية الكافية لإثبات فشل هذا النهج:
– إن جميع المبالغ المقترضة من الممولين حتى حدود سنة 2004 والتي تم إعفاؤها ضمن إطار ما عرف حينها بمبادرة إعفاء الديون عن الدول الأقل تقدما لم يتجاوز ثلاثة مليارات دولار أي المبلغ الذي اقترضته موريتانيا على مدار عقدين من الزمن وهذا المبلغ يساوي تقريبا نفس المبلغ الذي حصلت عليه موريتانيا كقروض دفعة واحدة في الطاولة المنظمة في ابروكسل مع الشركاء سنة 2010 ولمدة لا تزيد عن خمس سنوات.
– تتوفر بلادنا عند نهاية سنة 2011 على احتياطي من العملة الصعبة يساوي 522 مليون دولار وهو ما يغطي الواردات مدة 3.6 شهر ومن الجدير بالذكر أنه حسب لغة الاقتصاديين لا يمكن الحديث عن احتياطي نقدي قبل تغطية كافة الالتزامات الجارية وهو ما يعني أن البلاد إذا سارت بنفس الوتيرة ستتجاوز احتياطاتها من النقد الأجنبي عتبة المليار دولار بحلول سنة 2015 وهو توقع أبنيه على مقاربة التطور الكبير الذي سوف تشهده صادرات البلاد خلال السنوات الثلاث المقبلة.
– وصلت عائدات البلاد من الضرائب سنة 2011 إلى = 183.7 مليار أوقية.
– وصلت عائدات البلاد من المحاصيل الجمركية لنفس السنة إلى = 93.3 مليار أوقية.
– يحب الأخذ في الاعتبار التدني الحاد في عائدات تصدير المحروقات الخام
– تمت تعبئة ما يناهز مليار دولار من تعهدات المانحين في شكل اتفاقيات موقعة
– سجلت الميزانية المعدلة لسنة 2011 فائضا يساوي 8 مليار دولار.
– سعر الصرف الرسمي اليوم 1 أورو يساوي: 386 أوقية 1 دولار يساوي: 293.18 وذلك بفعل التأثير الإيجابي لوجود احتياطي وطني هام من النقد الأجنبي مكن عملتنا الوطنية من الحفاظ على قيمتها متيحا خفض نسبة التضخم بشكل ملحوظ.
– أعادت الدولة هيكلة المالية العامة منذ سنة 2008 من خلال إدماج فرعي الميزانية العامة للدولة ضمن وثيقة واحدة مع إعطاء الأولوية لميزانية الاستثمار نتيجة زيادة الإيرادات وخفض ميزانية التسيير مع الإشارة إلى أن جزء كبير من ميزانية الاستثمار الوطني ممول كليا من موارد الدولة الذاتية في حين لم تكن الدولة ترصد سابقا سوى حوالي 15% من قيمة ميزانية الاستثمار على شكل مبالغ محدودة ضمن صندوق التعويضات.
– أنشأت الدولة صندوقا لودائع التنمية يعمل كمستثمر عمومي وقد لعب بشكل خاص دورا كبيرا في خفض نسبة الفائدة على سندات الخزينة العامة من 14% إلى 2%.
– تم القضاء التام على الممارسات التي كانت سائدة والمتمثلة في الإنفاق خارج الميزانية ودوامة تراكم الديون المتأخرة سنة بعد سنة مع أنها تكون في بعض الأحيان ديون صورية ولايزال بعض الموردين يطالبون الدولة حتى الآن بمبالغ ناتجة عن هذه الممارسة وقد كثر الحديث في الفترة الأخيرة من قبل برلمانيي المعارضة عن الميزانيات المعدلة وهو ما يستدعي التوضيح التالي:
– يجب أن يكون في علم الجميع أن الميزانية العامة للدولة تتم برمجتها بشكل تقديري بناء على توقع إيرادات ومصروفات خلال السنة المالية مما يعني أن الأرقام الواردة فيها تكون غير منسجمة في بعض الأحيان مع الإيرادات والمصروفات الفعلية وهو ما كان يتم القفز عليه في السابق دون اللجوء إلى البرلمان من خلال الإنفاق خارج الميزانية الذي وصل في بعض الحالات حدود ثلث إجمالي الميزانية في حين أن القوانين تلزم الحكومة باللجوء إلى أحد حلين لهذه المشكلة:
– مرسوم طلب سلفة أو قانون معدل للميزانية وكلاهما يتطلب مصادقة البرلمان.
– توجد أموال الدولة اليوم في حسابات الخزينة العمومية والبنك المركزي ولا يمكن لأي كان أن يسحب من صندوق الخزينة العامة شيكا يتجاوز مبلغه 200 ألف أوقية في حين لم يكن يوجد أي سقف في السابق لهذا السحب والذي كان مفتوحا حتى خارج أوقات الدوام الرسمية.
– أما المؤسسات العمومية وشبه العمومية فقد خضعت في معظمها للتدقيق ضمن برنامج تنفذه الدولة حاليا بهدف إجراء تدقيق مالي وتنظيمي يعيد رسم أدوارها بما يكفل لها الاستمرار في أداء مهامها الوطنية كمرفق عمومي وسوف توقع معها الدولة بعد ذلك التزامات جديدة من خلال برامج تطوير الأداء.
– أما مدونة الصفقات العمومية فقد تم تحديثها وأعيدت هيكلة لجان الصفقات المختلفة واستحدثت أجهزة جديدة للرقابة وتسوية النزاعات مما سوف يضمن تطويرا كبيرا لقدراتنا الاستيعابية للتمويلات بشكل ينعكس إيجابيا على الاقتصاد الوطني.
– في المجال العقاري فقد وضعت الدولة حدا نهائيا لفوضى المضاربات التي كان يخضع لها من خلال سحب سلطة المنح من الإدارة الإقليمية وتوحيد مصدر المنح وحصره في وزارة المالية وفقا للإجراءات القانونية المتعارف عليها وهو ما أتاح للدولة الحصول على مبالغ معتبرة من خلال التنازل عن ملكية بعض القطع الأرضية وهو إجراء عادي تقوم به أغلب دول العالم لدعم مواردها.
– في مجال الثروة السمكية يخضع هذا المجال لإعادة هيكلة شاملة تعطي الأولوية للجوانب التالية:
• إقامة بنية تحتية دائمة في البحر وعلى اليابسة.
• التوسعة الجارية لميناء انواذيبو المستقل.
• إزالة حطام السفن.
• مصنع زوارق الصيد التقليدي.
مصانع الشركة الصينية العملاقة هونغ دونغ لإقامة صناعات تحويلية ذات كثافة عالية في مجال التشغيل
إجبارية التفريغ المحلي.
تأهيل وتكوين الآلاف من البحارة.
إصلاح النظام الوطني لتسويق الأسماك من خلال إعادة الهيكلة التي أجريت لشركة تسويق الأسماك بشكل يضمن لها مركزا تجاريا قويا ويمنحها قدرات تنافسية عالية وسوف ينعكس ذلك كله على التحسينات الكبيرة التي يجري حاليا التفاوض حولها مع الاتحاد الأوروبي بوصفه الشريك الأهم لبلادنا في مجال الصيد.
– في مجال المعادن تمكنت الحكومة من استقطاب العديد من كبار المستثمرين العالميين من أجل ضخ استثمارات كبيرة في هذا المجال وقد كانت التظاهرة الدولية الضخمة التي أشرف عليها رئيس الجمهورية في نهاية سنة 2010 تحت إسم الـ”موريتانيد” والتي نالت موريتانيا على إثرها لقب “كنز الصحراء” منعطفا حاسما لتشهد البلاد بعد ذلك إقبال العديد من الشركات متعددة الجنسيات بحثا عن رخص تنقيب والاستغلال لعشرات المعادن الثمينة وقد تأكد حتى الآن الوجود التجاري لبعضها ويجري الاستعداد لاستغلالها: اليورانيوم المشع، الذهب، الحديد، النحاس، الماس، ويعرف ميدان المعادن حاليا طفرة كبيرة تتمثل في حجم الاستثمارات الضخمة التي لم يعرفها البلد من ذي قبل متمثلة في:
– مشروع توسعة منجم تازيازت بمبلغ يناهز ثلاث مليارات دولار.
– مشروع استغلال منجم الحديد في منجم آسكاف والعوج 4 مليارات دولار.
– مشروع زيادة إنتاج اسنيم 1.2 مليار دولار.
– مشروع إنتاج فوسفات بوفال 1.5 مليار دولار.
كما انطلقت أخيرا نشاطات كل من شركة إنتاج لكوارتز المنشأة سنة 2010 وشركة إنتاج لكرانيت التابعة لاسنيم التي كانت متوقفة عن العمل منذ سنوات.
لا حاجة للقول أن قراءة مثل هكذا أرقام تعتبر دليلا كافيا على ما سميته بجدارة طفرة في قطاع المعادن تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه مجال اقتصادي واعد جدا.
في مجال الطاقة: تم إنجاز محطة كهربائية مكنت حتى الآن من تغطية الطلب في انواكشوط ويجري بناء محطتين أخريين ستوفران جهدا عاليا يكفي للربط بين انواكشوط وانواذيبو كما تتواصل دراسة المشروع الاستراتيجي المتعلق بإنتاج الطاقة عن طريق الخلط بين مكورات الحديد والغاز هذا بالإضافة إلى تزويد عشرات المقاطعات والمراكز الإدارية بالمحطات الكهربائية.
في مجال النفط: تعثرت جهود البلاد لاستكشاف النفط خلال السنوات الماضية متأثرة بالتقلبات السياسية وغياب الاستقرار الأمني في بعض الحالات وهو ما أثر سلبا على وتيرة العمل في هذا المجال الحيوي فضلا عن تعقيد الإجراءات التعاقدية التي كانت متبعة وهو ما بذلت الدولة مؤخرا جهودا كبيرة للتغلب عليه من خلال التوجه للبرلمان لطلب منحها سلطة استثنائية تتيح لها عند الضرورة الخروج على مساطر المنافسة الاعتيادية تسهيلا لإجراءات التعاقد مع المستثمرين وتجدر الإشارة إلى أن العمل في مجال التنقيب والاستخراج النفطي يتطلب إمكانات مالية وفنية ضخمة لا تتوفر عليها بلادنا فضلا عن كونه يستغرق مدة طويلة تصل أحيانا إلى 7 سنوات لكن المؤشرات تؤكد أن البلاد تحتوي على احتياطيات نفطية معتبرة في الحوض الساحلي وحوض تاودني.
في مجال الزراعة: تمت إعادة جدولة ديون صندوق القرض الزراعي وتوجيه تدخلاته نحو صغار المزارعين ولا حاجة هنا لذكر أن هذا الصندوق ظلت تديره فعليا حتى سنة 2008 مجموعة من رجال الأعمال لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وقد ظلت وزارة التنمية الريفية حتى عهد قريب وكرا للفساد قبل أن يتم أخيرا ضبط عملها و ضخ مبالغ كبيرة من خلالها في هذا القطاع الاستراتيجي مما سيتيح للبلاد السعي بخطوات حثيثة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الغذائي وقد تحققت الإنجازات التالية:
– تم تسييج آلاف الهكتارات في مجال الزراعة المطرية والزراعة وراء السدود.
– تم استصلاح آلاف الهكتارات في مجال الزراعة المروية في كافة أنحاء الضفة من خلال الشركة الوطنية للاستصلاح الزراعي المنشأة حديثا.
– تم تأسيس شركة وطنية لإنتاج السكر والوقود الحيوي بالشراكة مع شركة كنانة السودانية برأس مال يناهز 300 مليون دولار.
– دخل برنامج زراعة القمح مراحل متقدمة من خلال زراعة آلاف الهكتارات سنة 2010 و2011.
– جرى استصلاح واستحداث العديد من السدود.
في المجال الاجتماعي:
في مجال مساعدة الفئات الأقل دخلا لم تتوانى الدولة عن مساعدة هؤلاء كل ما كان ذلك ضروريا لدعم قدرتهم الشرائية من خلال بيع المواد الاستهلاكية الضرورية بأسعار مدعومة وقد تجسد ذلك من خلال برنامجي التضامن 2011 وأمل 2012 كما تصدت بشكل ناجع لمشكلة توفير المسكن اللائق لمئات الآلاف من السكان الذين ظلوا لعقود طويلة من الزمن يتكدسون في العشوائيات المعروفة بالكزرة فاقدين لأبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة وهكذا تم توزيع أزيد من 40 ألف قطعة أرضية في انواكشوط وحدها أما في انواذيبو فقد تم القضاء على ظاهرة الكزرة نهائيا وتجري عمليات مماثلة في عواصم الولايات الداخلية ضمن برنامج الاستصلاح الترابي الواسع وقد تم تزويد هذه المناطق الجديدة بالمنشآت الضرورية للإقامة وفي مجال محاربة الفقر والتهميش فقد بادر رئيس الجمهورية بزيارة أكبر بؤرة للفقر في البلاد وهي منطقة آدوابه المعروفة سابقا بـ”مثلث الفقر” معطيا بذلك أملا جديدا وأولوية قصوى لسكان هذه المنطقة التي ظلت في شبه عزلة تامة عن أطراف البلاد الأخرى وقد تجسد ذلك الاهتمام في ما يلي:
– فك العزلة عن هذه المنطقة من خلال انطلاق أشغال تشييد أزيد من 300 كلم من الطرق المعبدة تربط بين مختلف هذه التجمعات وتربطها بشبكة الطرق الوطنية.
– الشروع في توفير خدمات المياه من خلال مشروع مياه آفطوط الشرقي.
– الشروع في إنشاء تجمع حضري في برات.
وفي مجال التشغيل والتكوين المهني: أهم ما شد انتباهي في الوثيقة الصادرة عن منسقية المعارضة هي المعطيات التي أوردتها فيما يتعلق بمجال التكوين المهني والذي يشكل اليوم مشكلة حساسة بالنسبة لبلادنا نظرا لمعاناتها من المشكلة المزمنة المتمثلة في عدم مواءمة التكوين مع متطلبات سوق العمل وهو ما يؤدي إلى انعدام مواطن الشغل أمام طوابير طويلة من الشباب الطالبين للعمل سنويا.
وتذكر وثيقة المعارضة أن مؤسسات التكوين المهني كان عددها 21 مؤسسة سنة 2008 بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى 4250 تلميذا.
وقد تجاهلت الوثيقة عن قصد الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة لهذا الجانب والذي نذكر منه:
– استحداث إعدادية وثانويات للتكوين الفني في جميع عواصم الولايات (13).
– استحداث مدارس عليا متخصصة لأول مرة في تاريخ البلاد من ضمنها مؤسسات موجودة اليوم مثل مدرسة التقنيات المتعددة والشروع في إجراءات افتتاح كل مدرسة المعادن في أكجوجت مدرسة الهندسة المدنية في ألاك وقد بدأت وزارة التكوين المهني والتشغيل هذه السنة برنامج طموحا في إطار الشراكة مع البنك الدولي تستهدف تكوين 5000 عامل ماهر ودمجهم الفعلي في سوق العمل.
– إعادة تأهيل وافتتاح مدرسة التكوين الزراعي في كيهيدي.
– افتتاح 4 مدارس للتكوين الفني الصحي.
– افتتاح مركز للتكوين المهني في ازويرات.
– كما يجري في نفس المجال وبالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية تنفيذ برنامج طموح لتدريب آلاف الحرفيين على المهن المختلفة.
وهذا ما يعني أن أعداد هذه المؤسسات قد انتقلت من 21 إلى 43 مؤسسة أي أن قدرتها الاستيعابية قد تضاعفت لتصل إلى ما يقدر سنويا بـ 10000 تلميذ على الأقل وعلى الرغم من أن هذا الرقم يظل دون المستوى المطلوب لكنه يظهر تقدما ملحوظا في هذا المجال الهام.
في حين ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي هو تكوين حوالي 40000 شخص سنويا وضخها في قطاعات المعادن والزراعة والصيد التي يمكن إن أحسن استغلالها أن يحل كل واحد منها لوحده مشكلة البطالة في البلاد وينهض بالاقتصاد الوطني.
في مجال الصحة: يلاحظ الجميع التطور الكبير الذي حصل في هذا الميدان ويتجسد ذلك في المجالات التالية:
– افتتاح مستشفى تخصصي للأم والطفل.
– افتتاح المستشفى التخصصي للسرطان.
– افتتاح المستشفى التخصص لأمراض القلب.
– افتتاح مستشفى الصداقة في عرفات.
– تجهيز مختلف المستشفيات المركزية والجهوية بالتجهيزات المختلفة (الأشعة، غسيل الكلى، سيارات الإسعاف…) الخ
– الشروع في تشييد مستشفات جهوية جديدة (كيهيدي، روصو)
– توحيد أسعار الأدوية ومراقبة جودتها.
وتظل البلاد تعاني من مشكلة بنيوية في مجال الصحة تتعلق بنقص كبير في الطواقم الطبية المؤهلة والمتخصصة يتطلب التغلب عليها بعض الوقت.
4- في مجال الأمن ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة: يعتبر هذا المجال الأهم نظرا لدوره الحاسم في توفير جو الاستقرار والطمأنينة الذي لا يمكن أن تحصل في غيابه أية تنمية وقد مرت البلاد سابقا بفترات تسيب أمني خطيرة وهو ما جعل الدولة تبادر منذ سنة 2008 إلى رسم سياسة أمنية فعالة تجلت أهم نتائجها فيما يلي:
– ضبط حدود البلاد ورصد حركة الدخول والخروج منها من خلال تحديد نقاط العبور أواخر سنة 2009 إعلان مناطق عسكرية مغلقة وتجهيز القوات المسلحة وقوات الأمن وإعادة هيكلتها وتوزيعتها على التراب الوطني بشكل دقيق وهو ما عكسته الاحتفالية التي نظمت أخيرا بمناسبة العيد الوطني للقوات المسلحة.
– أخذ زمام المبادرة في مطاردة الإرهابيين داخل معاقلهم والقبض على أعوانهم والتصدي لهجماتهم وإحباطها بنجاعة وخير دليل على ذلك إحباط الهجوم الذي كان يستهدف مرافق حكومية ودبلوماسية داخل العاصمة 2011 وهو ما مكن بلادنا أن تنعم باستقرار أمني تفتقده أغلب دول منطقة الساحل مساهمة بذلك بشكل فعال في الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لتفادي سقوط دول الساحل في مستنقع الإرهاب.
– تحرير عدد من الرهائن الموريتانيين والأجانب من أيدي عصابات الإرهاب.
– استحداث جهاز أمني خاص بأمن الطرق والهجرة السرية والمخدرات.
– المصادقة على النظام الأساسي للشرطة الوطنية.
إن المراقب للمسيرة التنموية المتسارعة التي تشهدها البلاد منذ تولي رئيس الجمهورية مقاليد الحكم لا يمكن أن تفوته الأولوية القصوى الممنوحة للبنية التحتية بشكل عام من طرق معبدة ومطارات وموانئ ومباني إدارية وتجمعات حضرية والتي ظلت البلاد بحاجة لها وظل العدد البسيط الموجود منها يتركز في العاصمة مما أدى إلى كثافة سكانية كبيرة داخلها تقدر بحوالي ثلث سكان البلاد وهو أسوأ وضع عند الاقتصاديين يعبر عنه بمفارقة بـ “الاختناق في القمة والشلل عند الأطراف”.
وفي هذا الإطار ستشهد البلاد خلال السنوات الثلاثة القادمة إنجاز أزيد من 2000 كلم من الطرق المعبدة فضلا عن مطار دولي بمواصفات عالمية وهو ما سينعكس بقوة على تنشيط الاقتصاد الوطني من خلال إعطاء دفع قوي لحركة الأشخاص والبضائع.
اعتقد أن هذه الإنجازات التي لا تشكل إلا جزءا من كل كافية للرد على وثيقة المعارضة التي نرجو منها إعطاء الأولوية لإنجاز برامج قادرة على منافسة البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية وإنجازاته حيث تعتبر مقارعة البرامج هي المقاربة الوحيدة الكفيلة بإقناع الشعب الموريتاني بخطابها بعيدا عن الدعايات الديماغوجية المعهودة ولغة التعميم الفضفاض لأن الصراع السياسي يجب أن يكون صراع إنجازات ملموسة وليس صراع كراسي وأشخاص فما يهم الناخب الموريتاني هو ما تحقق من إنجازات على أرض الواقع لا ما تروج له المعارضة من أقوال.
وهنا نكون قد وصلنا إلى الجواب على السؤال الأهم المتعلق بالأزمة الراهنة بعد أن استعرضنا مسيرة البلاد منذ نقطة انطلاق شرارة الأزمة وحتى الآن لاعتقادنا أن هذه الأحداث شريط واحد لا يمكن بتر أجزائه عن بعضها البعض على اعتبار أن صناع أحداثه هم أطراف الأزمة الحالية متعددة الأبعاد التي تعيشها البلاد وصراعاتهم هي التي لا تزال تسيطر على قواعد اللعبة برمتها ومن المنتظر أن تعرف الفترة القصيرة المقبلة حسما نهائيا لهذا الصراع لتسير موريتانيا في أحد اتجاهين:
– اتجاه انتصار قوى التغيير والإصلاح والدعوة الصارخة إلى تجديد الطبقة السياسية الذي يمثله رئيس الجمهورية وهو خيار قليل الأنصار في صفوف النخب السياسية والاقتصادية والإدارية والتقليدية لكنه خيار الأغلبية الصامتة من عامة الشعب الموريتاني الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ولن تتمكن الآلة الدعائية الضخمة للطرف الآخر من حجب هذه الإنجازات لأن قوى التغيير والإصلاح خاصة في أوساط الشباب والنساء لابد أن تتداعى إلى حماية خيارها الاستراتيجي في التغيير.
– الاتجاه الآخر -لاقدر الله- هو انتصار قوى الثورة المضادة ممثلة في الطبقة السياسية التقليدية المشكلة من تحالف يبدو أنه أصبح قويا بين المعارضة والأغلبية التقليديتين مدفوعين إلى ذلك بفعل قوة الهجوم الذي يشنه عليهم رئيس الجمهورية والمتمثل في دعوته الصريحة والدائمة إلى تجديد الطبقة السياسية.
الحقيقة المؤكدة أن صراع الطرفين يقترب شيئا فشيئا من الحسم وهو ما تعكسه بجلاء النبرة التصعيدية الحادة في خطاب الفرقاء خلال الآونة الأخيرة لكن المسلمة الوحيدة التي لا يمكن تجاوزها هي أن البلاد لا تشهد أية أزمة دستورية والوضع الراهن المتمثل في وجود أزمة سياسية عميقة بين المعارضة والأغلبية هو وضع ديمقراطي بامتياز ولا يمكن حله إلا من خلال الآليات الديمقراطية المعهودة، رغم سعي أطراف عديدة لتجاهل المخارج الدستورية التي تتيح الخروج في مثل هذه الظروف والمتمثلة حصرا في تنظيم انتخابات توافقية شفافة ونزيهة لاختيار برلمان جديد ومجالس محلية.

ونختتم هذه الوثيقة بتحديد المخرج من الأزمة الحالية وبتوجيه ثلاث رسائل إلى أهم أطراف التجاذب السياسي الراهن في نظرنا:
أولا المخرج من الأزمة
المخرج الوحيد الإجباري الذي يجب على جميع الأطراف المتشبثة باللعبة الديمقراطية والنظام الدستوري بشكل عام أن تقبله هو الدخول الفوري في تنفيذ الإجراءات العملية التي توصل إليها الحوار السياسي الوطني الأخير والذي يفرض تعيينا عاجلا للجنة الانتخابية المستقلة الدائمة حتى تتمكن من الشروع في تحديد الجدولة الزمنية الكافية لإجراء الانتخابات التشريعية والبلدية المؤجلة سابقا والتي يجب أن تنظم في أفق زمني لا يتجاوز 6 أشهر وعلى الجميع أن يلعبوا الدور المناسب لتوفير مناخ سياسي وطني هادئ يمكن من إجرائها لكن تسهيل هذه المهمة يتطلب حصر إحصاء الوثائق المدنية الحالي على البالغين فقط خلال هذه المرحلة ولتسريع مهمة إعداد القوام الانتخابية كأداة ضرورية لإجراء انتخابات شفافة لفتح الطريق أمام تنفيذ باقي استحقاقات الحوار المتمثلة في فتح وسائل الإعلام العمومية أمام الفرقاء السياسيين وإعادة الاعتبار إلى مؤسسة المعارضة الديمقراطية مهيأة بذلك الفرصة أمام رئيس الجمهورية لإكمال مأموريته في ظروف عادية تمكنه من التفرغ لمواصلة إنجاز برنامجه الانتخابي الطموح الذي سيحاكمه الشعب الموريتاني على أساسه فيعطيه فرصة المواصلة من خلال منحه الثقة في عهدة رئاسية جديدة أو يسحب منه الثقة ويعطيها لغيره ممن يختاره.

الرسائل الثلاث

الرسالة الأولى: إلى الشعب الموريتاني
عليك أيها الشعب الأبي التحلي باليقظة الدائمة خلال هذه المرحلة الدقيقة وتدرك أنك توجد الآن عند مفترق طريق حاسم سوف يؤدي بك حتما إلى السير في أحد اتجاهين متعاكسين: اتجاه التجديد والتغيير ومحاربة الفساد وبناء دولة القانون، واتجاه الرجوع إلى ممارسات العهود البائدة التي طالما أضرت بك، كما يجب عليك الحفاظ على وحدتك الوطنية وانسجامك الاجتماعي وتغليب المصالح العامة على مصالحك الضيقة، وعليك أن تخرج من صمتك لتشارك في تحديد مصيرك وتختار بنفسك مواصلة السير على الطريق الذي يحقق لك الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي ويضع حدا لمعاناتك الطويلة ولتقلها بصوت واضح يسمعه الجميع كفا من محاولات ضرب الاستقرار وحملات التسميم السياسي الشعب يريد أفعالا لا أقوالا.
والطريقة الوحيدة لتعبيرك عن ذلك هي اصطفافك إلى جانب رئيس الجمهورية لمؤازرته في تحقيق المزيد من الإنجازات الوطنية الهامة ولتتطلع دائما إلى المستقبل الاقتصادي الواعد للبلاد الذي سوف يغير جذريا المستويات المعيشية الراهنة لكافة أفراد الشعب.
ولتقم بإجراء مقارنة بين نتائج وإنجازات سنتين من مأمورية رئيس الجمهورية بالنتائج الهزيلة والمرتبكة المنجزة على مدار العقود الماضية لتكتشف ضخامة الفرق الشاسع.

الرسالة الثانية: إلى رئيس الجمهورية
لا يعني الحجم الكبير للإنجازات المتحققة حتى الآن عدم وجود مشاكل جدية يجب أن يتم التغلب عليها بسرعة من أجل قلب ميزان القوى لصالح دعم خيار الإصلاح والتغيير المعرض اليوم للخطر أكثر من أي وقت مضى بفعل ضعف الأغلبية الانتخابية التي صوتت لرئيس الجمهورية وتقاعسها البارز عن الدفاع عن الخيارات الوطنية الكبرى رغم الدعوات المتكررة الموجهة لها وهو ما يدفعنا إلى استكناه مكونات هذه الأغلبية وتصنيفها واضعين في الاعتبار قبل كل شيء أنها أغلبية غير متجانسة وبسيطة حيث لم تتجاوز نسبة 53% من أصوات الناخبين وهو ما يجعلها دائما هشة فبمجرد فقد 4 نقاط مئوية تنقلب الأغلبية الانتخابية إلى أقلية شعبية، وذلك من يدعونا إلى تحديد تركيبتها المتكونة من ثلاث فئات رئيسية غير متجانسة هي:
– نسبة 3% شعبية مرتبطة برموز الطبقة السياسية التقليدية الذين اضطروا إلى دعم رئيس الجمهورية في الانتخابات حفاظا على مصالح شخصية ودون أي قناعة ببرنامجه الانتخابي.
– نسبة 10% شعبية بعض رموز قوى التغيير داخل الطبقة السياسية الوطنية وقد دعم هؤلاء رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية الماضية على أساس تطبيقه لبرنامجه المعلن حول تجديد الطبقة السياسية التي ظلت دائما حجر عثرة في طريق تموقعهم الإداري والسياسي إضافة إلى قناعتهم الراسخة بضرورة إرساء قواعد حكم رشيد ومحاربة الفساد نتيجة مستوياتهم التعليمية العالية.
– نسبة 40% من عموم الشعب الموريتاني تمثل الشرائح المهمشة من جميع الأعراق النسبة الساحقة منها وقد شعر هؤلاء دون شك ببعض التحسن في حياتهم اليومية إلا أنهم يمثلون وزنا انتخابيا أكثر مما يمثلون وزنا سياسيا فعالا.
يوضح هذا التنصيف أن الأغلبية الانتخابية الحالية مخترقة من قوى معادية تسوق داخل صفوفها خطابا هجوميا على توجهات رئيسها في محاولة للانتقام منه وجعله يدفع ثمن خطاب تجديد الطبقة السياسية ومحاربة الفساد وهو ما أضر كثيرا بهيبة رئيس الجمهورية وشجع الانسحابات المتواصلة من صفوف الأغلبية في الوقت الذي توجد فيه أغلب رموز التغيير والتجديد خارج مواقع حلبة الصراع وهو ما يعكسه المشهد السياسي الوطني العاجز حتى الآن عن خلق طبقة سياسية جديدة قادرة على الدفاع الجدي عن توجهات رئيس الجمهورية.

– الرسالة الثالثة: إلى قيادة حزب تواصل
إلى إخوتي وأترابي الكرام الذين جمعتني بهم سنوات عشرة طويلة داخل صفوف العمل الإسلامي قبل أن يختاروا لأنفسهم السير وفق منهج آخر إن واجبي الإسلامي في النصح والترشيد يفرض علي توجيه النصيحة التالية عملا بمقتضى الحديث الشريف (الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) الحديث.
أيها الإخوة الأفاضل في قيادة الحزب إنكم تتحملون المسؤولية الأكبر نتيجة لصفتكم القيادية ولذلك عليكم دائما أن تضعوا نصب أعينكم أنكم تمثلون الإسلام الذي هو دين الشعب الموريتاني كافة ويطبقه الجميع شعائر وشرائع مما يفرض عليكم أن تعطوا القدوة الحسنة لغيركم في التحلي بسماحة الإسلام في التدافع والمشاركة والابتعاد عن أسلوب المصارعة والمغالبة الفظ وعليكم أن تحترموا أدب الخلاف وأن تطهروا ألسنتكم من الوقوع في أعراض المسلمين (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) الحديث. وأن تبتعدوا عن الكلام الجارح وتتمسكوا بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}.
أنصحكم بأن لا تحاولوا القفز على المنهج الإسلامي في التدرج وأن تكثروا العمل وتقللوا من الكلام وأن لا تتعجلوا قطف الثمرة فلازلتم حزبا ناشئا وذلك ما يتطلب منكم أن تمنحوا الشعب الموريتاني الذي يعتبر كله إسلاميون فرصة اكتشافكم من خلال الانفتاح عليه والتخلي عن الأطر التنظيمية الضيقة حتى لا يظل يعاملكم على أساس أنكم مجرد واجهة لتنظيم سياسي دولي معروف.
يجب عليكم مراعاة الخصوصية الموريتانية الرسمية التي منحتكم الشرعية بعد نضال طويل مما يتيح لكم العمل بحرية تامة منذ سنوات خلت وقبل هبوب رياح الربيع العربي وهذا هو ما يجعل وضعكم يختلف جذريا عن وضع الجماعة المحظورة في مصر وحزب النهضة المحظور في تونس وإخوان ليبيا وسوريا المحكوم عليهم بالإعدام بنص قوانين دولهم.
عليكم أن تتحرروا من ربقة الالتزامات الإقليمية والدولية وتركزوا على الشأن المحلي الموريتاني ولتتعلموا الدرس من تاريخكم القريب حينما لعبتم أكبر دور في إسقاط نظام ولد الطايع مفسحين بذلك المجال أمام جهات كانت معادية لكم ولم تحصدوا سوى نتائج هزيلة.
إنني مدرك تمام الإدراك أنكم قد لا تعيرون ما أقول أي اهتمام ببساطة لأنكم تمتهنون السياسة التي ليست في النهاية سوى لعبة مصالح لا يجدي من أصحابها النصح والإرشاد لكن هذا هو ما يمليه علي واجبي اتجاهكم معذرة إلى ربي وربكم فضلا عن اعتقادي أن للسياسة في الإسلام أخلاق تحكمها عكسا للسياسة البراغماتية التي لا تقيم أي اعتبار للجانب الأخلاقي لأن الرسالة الأساسية للإسلام هي الحفاظ على مكارم الأخلاق (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). الحديث

والله من وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.

المراجع:
– دستور يوليو 1991 المعدل.
– وثيقة توصيات الاتحاد الأوروبي بخصوص موريتانيا سنة 2006.
– البرنامج الانتخابي للرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله.
– بيان انسحاب نواب الأغلبية من حزب عادل.
– وثيقة اتفاق دكار.
– البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز.
– تقارير ووثائق ومقابلات مختلفة.
– وثيقة منسقية المعارضة حول تقييم ثلاث سنوات من حكم الرئيس الحالي.
– خطاب رئيس الجمهورية في انواذيبو 13 مارس 2012.
– وثيقة الحوار الوطني الموقعة بين الأغلبية المدعمة وبعض أحزاب المعارضة.

ديدي ولد المصطفى ولد بوه
محلل مالي وسياسي

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة