مقالات

وجهة نظر

بادئ ذي بدء أنا- وأعوذ بالله من كلمة أنا- لست من الموالين لحكم السيد عزيز، وبنفس المسافة لست من المعارضين له ، فأنا ضمن مجموعة كبيرة من المواطنين تقف حائرة في المنطقة الوسطى الواقعة بين المعارضة والموالاة ! !” ترقب مسار الطرفين، لأسباب موضوعية نذكرمنها على سبيل المثال لاالحصر..ان المعارضة لم تستطع أن تقنعنا بجدوائية ونجاعة ومنهجية معارضتها، ولا الموالات استطاعت هي الأخرى أن تجذبنا بإنجازاتها المعملقة التي تدعي أنها شاخصة للعيان على أرض الواقع، بينما الواقع المعيشي للمواطنين هو مانراه أمامنا طريح أسرة مستشفيات الدولة وروافدها من العيادات الخاصة التي يعتبر البعض انها هي وكبار تجار البلد الموردين لهم اليد الطولى في تفقير المواطنين وقعر جيوبهم!.
 
وفي خضم ذلك المشهد أسعفتنا الشبكة العنكبوتية بسلسلة مقالات” نحن والمسار الحانوتي”  لكاتبها الدكتور الوقور الشيخ المختار ولد حرمة ، واتبعتها بسيل من الأراء الحادة والمفندة  لرأيه ذلك الذي أودعه كنانة “القصة”.ولذلك قررت أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع ليس انتصارا للشيخ فهو غني عني ولاشك، بقدر ماهو دهشة من ذلك السيل الجارف من الردود المتشنجة التي انهالت على قامته السامقة بالتجريح الشخصي تارة وتارة أخرى محاولة النيل من سمعته، وكأن معاجم اللغة العربية التعبيرية خالية من المعاني الجزلة التي تتيح للكاتب المتمكن من ناصية اللغة توظفيها في أي اتجاه يشاء ،وهنا يحضرني قول الشاعر:
 
ياناطح الجبل العالي ليثلمه &&& أشفق على الرأس لاتشفق على الجبل.
 
إن الكاتب الموقر لم يكتب سلسلة مقالات “نحن ومسار الحانوتي”  التشخيصية كردة فعل انتقامية من السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز  نتيجة لطمع بمكافأة أو وظيفة كان ينتظرها من الحزب ، كما صرح المعني بذلك في أكثر من مناسبة،تلك حجة واهية اتكأ عليها البعض ليجعلها مرتكزا يرتكزعليه للنيل من وطنية الكاتب وسمعته الحسنة، ذلك أن شخصية  الدكتور الشيخ، تعتبر علامة بارزة  وهامة وازنة أيضا في سماء الطب والثقافة،وقطعا لاتعوزه كما يدعي البعض الإمكانيات المادية ناهيك عن المعنى والقيمة والفضل والرزانة  والاستقامة، لأنه شبل من ذاك الأسد المجاهد -طيب الله ثراه- وفي اعتقادي الشخصي كذلك ان فخامة السيد الرئيس لولم يكن شخصية عامة تشغل رأس هرم السلطة  لكان مثله مثل غيره من رجالات الدولة الآخرين الذين لامشكلة للشيخ الدكتور معهم، وإنما ابتكر ذلك العنوان ” نحن والمسار الحانوتي” المشحون  بروعة الأسلوب،وكثافة المعنى بصفته قامة سامقة تنتمي لصف رجلات الدولة النظيفة أياديهم -على قلتهم- من دنس الفساد، ليلطع الرأي العام الوطني على طبيعة المسار السياسي  الذي يسلكه ربان سفينة الدولة الأوحد في الوقت الحالي، السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، دون أن يجد ربابنة مهرة معارضين أو موالين  لديهم الشجاعة والقدرة والإخلاص والوطنية المدعمة بالآليات السياسية الفعالة الكفيلة بإقناع فخامته أن لامناص له أوعلى الأقل من مصلحته الترحيب بربابنة مهرة من كلا الطرفين  يشاركونه قيادة سفينة الدولة العملاقة التي تمخر الآن عباب أمواج  ” مثلث برمودا” المتلاطمة!.
 
وفي ضوء ذلك إخوتي الأكارم لاشك أنكم تتذكرون إن إمكانيات الإنسان الموريتاني كانت طيلة العقود الخمسين الماضية متواضعة رغم ما يكتنزه باطن أرضه من خيرات لاتقدر بثمن، والتي لم يستظل بظلال دوحتها الوارفة يوما سوى رجالات الدولة، عسكريين كانوا أومدنيين ومن يدور في فلك الجميع، والبقية الباقية من ألوان طيف المجتمع تعيش على مجهود سواعد أبنائها المغتربين في الشرق والغرب وما بينهما في القارة السمراء طلبا للقمة عيش شريفة ينجدون بها أهاليهم في بلاد الثروة الحيوانية والسمك والحديد والذهب وبقية المعادن النفيسة!.
 
وكنا كذلك نصنف في خانة الدول الفاشلة التي إذا حضرت لاتسأل، وإذاتغيبت لايسأل عنها ” طير التيدومه”.. كل تلك الأوصاف والتوصيفات كانت تصبغ بها هامة وطننا الأبية، وربما تصبغ بصبغة أقبح وأردأ من ذلك، لكننا مع ذلك كان مجتمعنا قوي العارضة، لحمته الاجتماعية متينة ومتماسكة ديدنه التعاضد والتراحم والمروءة، لايضيق أبيضنا ذرعا بأسودنا مطلقا، ولاأسودنا يضيق نفسا بأبيضنا البتة..كنا نأكل في قصعة واحدة، ونشرب من قدح واحد، ونتعاطى كؤوس الشاي على حصير واحد، وكنا كذلك ننام تحت ظل خيمة واحدة كأشقاء في انسجام ووئام لاتُكدرصفوه سهام السياسية المسمومة ولا تضليلات السياسيين المحمومة،وباختصار شديد كان الإسلام يجسدنا:
 
 كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
 
نعم كان مجتمعنا يتميز بالحصافة وبعد النظر ومحبة الآخر دون شائبة تشوب تلك المحبة‘ وتميزنا أيضا عن غيرنا بعض النواجذ على ديننا الحنيف وأخلاقه الرفيعة ومروءته الطيبة.. ذلك الثلاثي المبارك هو الذي ألقه انبثقت منه عاداتنا وتقاليدنا وشيمنا الاجتماعية التليدة، وجعل أفراد مجتمعنا كل واحد منهم على حدة يكفل جميع أفراد عائلته بصفة تصاعدية لاحدود لها دون أن يشعر أن كاهله قد أثقل بما لاطاقة له به، حيث كان ذلك التعاضد والتراحم هما السر في صمود شعبنا أمام عاديات الزمن وظلم الحكام الذين تعاقبوا على حكم دولتنا الوليدة،  كتعاقب ظلمة الليل مع سطوع رابعة  النهار، ولذلك نجد أن الإنسان الموريتاني الشهم  لم يتعرض يوما لمجاعة أو مد يده للغيرعلى قارعة طريق الدول الأخرى ولله الحمد، أو انتابه قلق شديد على تماسك لحمته الاجتماعية- التي هي صمام الآمان لكل تنمية واستقرار- خوفا من تكرار ماجرى لبعض الدول الإفريقية التي كنا -وربما لا زلنا – نصنف ضمن خانتها، مثل دول الصومال وجيبوتي وأريتيريا  وغير ذلك من الدول المنكوبة بسوء تسيير حكامها وقلة وطنيتهم .
 
أما الآن فحدث ولاحرج، فقلوبنا تكاد تصاب بسكتة من هول المشهد الذي نشاهده أمامنا ، فهذه أسعار المواد الغذائية تبلغ عنان السماء، في الوقت الذي فيه البطالة تضرب أطنابها على كل موطئ قدم من رمال صحرائنا المغبرة، وتلكم كتب تراثنا الإسلامي العريق  التي تحتضن بين دفتيها عصارة فكر أئمة الأمة الأجلاء- طيب الله ثراهم – تحرق أمام ناظرينا دون أن يعني لنا ذلك أكثر من حرق كتب عادية مكتباتنا العربية والاسلامية مكتظة بها، بينما الأمر  يتعدى ذلك  ويتجاوزه بكثير، وإن غدا لناظره قريب!!، وتلكم  أيضا إخوتي الأكارم مقدساتنا يتطاول عليها في رابعة النهار، ورغم ذلك لازالت عدالتنا الموقرة عاجزة تماما عن التعجيل بالبت في شأن ذلك المعتوه الذي رفع عقيرة سفهه على جناب سيدنا ونبينا الأكرم صلوات الله وسلامه عليه،وهاتيكم شرائح مجتمعنا وإثنياته كل منها يصب جام غضبه على بعض شرائح المجتمع الأخرى، التي أصبحت أفواهها فاغرة وعقولها مشدوهة  تترقب مآلات وخواتيم هذا الذي يجري ويخطط له الآن تجاهها على الساحة الوطنية، والذي لايعلم مصائره إلا الله الذي أحاط بكل شيء علما، ناهيك عن انتشار الجريمة بمختلف أشكالها وألوانها، وكذلك طغيان الجري وراء المصالح الشخصية على حساب الوطن والدين ومصلحة الأمة العامة ، وكأن الجميع أصبح يقول ” أنا ومن بعدي الطوفان” ، متناسين ان الطوفان – لاقدر الله- حين يأتي سوف يجرف الجميع دون استثناء لقبيلة ولاإثنية ولاشريحة، إلى قعر وادي الفتن والقلاقل والأزمات السحيق، نسأل الله أن يجنبنا وبلدنا ذلك.
 
ورغم مرارة مذاق ذلك المشهد الذي سبب لنا حموضة مزعجة، فإننا لاننكر إنشاء هذا الطريق، أو تشييد هذا المشفى ، أو رفع أعمدة هذا المطار وتدشين تلك الكلية، أو حصول بعض المناطق في الوطن على نطقة ماء هنا أو هناك، ولانغمط أيضا كهربة هذه القرية أو تلك، بما في ذلك فتح أبواب ” دكاكين أمل” مشرعة أمام الجمهور، ولانبخس كذلك مساحة التعبيرالكبيرة التي أعطيت للإعلام والإعلاميين بغض النظر عنما تمخض عن ذلك من أراء سفيهة التي لولا تلك الحرية لما وجدت نافذة تنفذ منها إلى فضاء الشبكة العنكبوتية المفتوح، وقبل هذا وذاك تصريح السيد الرئيس في أكثر من مناسبة ان البنك المركزي خزائنه ملأى بأنواع العملة الصعبة.. كل ذلك لانكذبه ولاننكره، بل نشكره ونثمنه.. ولكن في نفس الوقت يحق لنا السؤال عن ماقيمة كل ذلك  حين لا ترفرف أجنحته على حياة  المواطنين ورفاهيتهم وطمأنينتهم؟….. .
 
حفظ الله بلاد المنارة والرباط من كل مكروه
 
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة