مقالات

وفاة الشيخ ابن الصديق… “كسر كبير في جدار الإسلام”

وفاة الشيخ ابن الصديق...

أثر عن عبد الله بن مسعود رحمه الله قوله” عليكم بالعلم قبل أن يرفع و رفعه هلاك العلماء”   و للإسلام جدار منيع يحميه من تحريف المحرفين و غلو الغالين و يحفظ محجته البيضاء ألا و هو العلماء فكلما مات عالم محقق في هذا الزمان كان كسر في جدار الإسلام مع أن ذلك الجدار لن ينقض بإذن الله لأن الله سيقيض دائما لهذا الدين علماء يبينونه حق بيانه .و  لعمري لقد حدث اليوم بموريتانيا كسر كبير في جدار الإسلام، حيث انتقل إلي الرفيق الأعلي صباح الأحد فاتح ذي القعدة 1434 ه  الموافق 20 أغسطس 2012 م  الشيخ محمد عبد الله ولد الصديق آل الشيخ سيد ألمين عن عمر ناف علي الثمانين عاما كان عامرا منذ الطفولة الصغري بالعلم :تحصيلا و تعليما و إفتاء و تحقيقا و تأليفا… و بالزهد و الورع و التقوي و الكرم سلوكا و منهاجا…

و يكفي أن نعلم أن الشيخ محمد عبد الله ولد الصديق هو أحد العلماء الخمسة الذين صنفهم الشيخ محمد الحسن ولد الددو في بداية هذا القرن كبار العلماء بموريتانيا إلي جانب محمد سالم ولد عدود و بداه ولد البوصيري رحمهما الله و آخرين حفظهما الله و لا يكاد يعرف عنه ذلك من شدة زهده و تواريه عن الأضواء و إخلاصه العلم و العمل لوجه الله وحده إلا قلة من الراسخين في العلم بهذا البلد.

 من المتواتر عليه أن  الشيخ محمد عبد الله حفظ القرءان و هو ما بين الثامنة و التاسعة  علي يد والدته بنت العلماء و أخت العلماء فالة منت مايابي التي كانت تحفظ القرءان مع أنها لا تكتب و كانت في كل يوم تذهب إلي أحد إخوتها أو رجالات الحي ليكتب لها درس ابنها و ذات يوم كان كل رجال الحي غائبون فحزنت حزنا شديدا أن لا تجد من يكتب لها الدرس اليومي لولدها وشق علي الولد الصغير ما بدا علي أمه من الغم و الحزن فما كان منه إلا أن أخذ لوحه و نظر فيه نظرات فاحصة مستنتجة و أخذ الدواة و القلم و نادي علي أمه أن اقرئي علي درسي و كتب من يومها و ما تعلم الكتابة من قبل !!!و  من المجمع عليه لدي الذين يعرفون الشيخ ابن الصديق أن الله وهبه خطا جميلا حروفه و كلماته و سطوره كالبنيان المرصوص، خطا كالرسم  لا يؤتاه إلا ذو حظ عظيم …

عرف الشيخ محمد عبد الله بالحفظ العتيد و الذهن الوقاد و قليلا ما يتحدث الشيخ عن نفسه و قد حدثتني إحدي القريبات الفاضلات أن الشيخ حدثها أنه ما سمع شيئا في حياته إلا و حفظه و ما حفظ شيئا و نسيه و أنه شق عليه في آخرعمره عدم نسيان بعض المساجلات و المناظرات غير الجادة التي حفظها في الصغرو قد حدثني الشيخ رحمه الله أنه لم يدرس دراسة طويلة منتظمة علي شيخ معين و مع ذلك لم يشهد مساره التعليمي أي انقطاع و قد كان دائما يواصل تحصيله العلمي بحفظ و دراسة أمهات الكتب و المراجع العلمية بنفسه و إن كان درس لفترات متفاوتة علي العديد من أعلام المنطقة من أمثال لمرابط اباه ولد محمد الأمين و لمرابط اعمر ولد محم بوب…

سافر إلي الحج قبيل الاستقلال سنة 1958 ضمن صحبة من أقاربه منهم الشيخ الدكتور محمد الأمين ولد الحسين حفظه الله و أطال عمره و الذي هو الآخر علم من أعلام البلد جامع بين علو الهمة في العلم و العبادة و الجد و  الاجتهاد في التفاني في منافع المسلمين… وبعد أداء مناسك الحج التحق بالشيخ محمد الأمين الشيقيطي( آب ولد اخطور) و مكث متعلما معه فترة غير طويلة  قبل أن يقرر العودة إلي البلد رغم نصائح الشيخ  آب له بالبقاء معه لما كان يتوسم فيه من أمارات النبوغ و الألمعية…

و في هذا المقام حدثني الشيخ الدكتور عبد الله ولد الشيخ آب سنة 2005 عندما زرته في بيته بالمدينة المنورة صحبة ابن أخته و حفيد الشيخ آب الشريف الفاضل الدكتور محمد ولد عدي  أن الشيخ آب رحمه الله كان إذا استرسل في دروس المنطق و لاحظ من بين التلاميذ الشيخ ابن الصديق انتبه و استجمع كافة ملكاته الذهنية تأهبا للاستشكالات بالغة الذكاء التي كانت دائما ترد من ابن الصديق. و مرة أخري زرت الشيخ عبد الله ولد الشيخ آب أيام الحج بمني و وجدت معه الشيخ موسي القرني و قدمني له الشيخ عبد الله بأني قريب الشيخ محمد عبد الله الصديق فأدناني منه و رحب بي حار الترحيب و سألني عن صحة الشيخ و حاله فأخبرته أنه وهن عظمه و استقال من عمله بدائرة الإفتاء بالإمارات العربية المتحدة فما كان منه إلا أن قال متمنيا و مقترحا ” الآن….كراسي التدريس بالحرم النبوي أحوج إليه و أولي به و أكثر راحة له…”.

عمل الشيخ رحمه الله مدرسا بالمدارس و أستاذا بالثانويات و بالمعهد العلمي بأبي تلمت صحبة اساتذة أجلاء: محمد عالي ولد عبد الودود، محمد سالم ولد عدود، أبناء داداه،….و حدثني الشيخ ذات مرة عن تجربة تدريسه في معهد أبي تلمت و مما قال ” إن الله من علي إذ درست كل العلوم بالمعهد و خصوصا علوم اللغة ( نحواو صرفا و بلاغة،..) و كان ذلك موضع كامل التقدير و وافر الإعجاب من الجميع” وقد صح أن أساتذة المعهد كانوا  يحضرون إلي جانب التلاميذ  دروسه للاستفادة من علمه الغزير. و مما يتداوله الناس علي نطاق واسع أن شيوخ معهد أبي تلمت كانو يقولون ” ما صعد كثيب إبي تلمت- و كان و لا زال مججة لكبار علماء البلد- أحد ذكاء و لا أعلي همة في تحصيل العلم من ابن الصديق”.

جمع الله للشيخ محمد عبد الله بين العلم الواسع و الورع النادر فقد عمل بالإمارات العربية قرابة  ثلاثين عاما ( 1976-2006) و واكب نهضتها الحديثة دون أن  تنال منه فقد كان لا يزيد علي راتبه و حدث مرات أن  أن اضطرته  “مواعيد و كالات السفر” إلي التأخر عن عمله يوما أو يومين بعد  قضاء  إجازته السنوية في البلد فكان رحمه الله يأخذ مقابل أيام التغيب و يبعث به إلي محاسب دائرة الإفتاء التي يعمل بها و أذكر أنني و بعض الإخوة أخذتنا غيرة من شهرة و كثرة مؤلفات بعض العلماء الموريتانيين الذين لا يفوقونه علما فجئناه و علي رؤوسنا الطير و سألناه أن يكثر من التأليف باعتبار ذلك أوسع وسيلة لبث العلم في صدور الرجال ففهم قصدنا و أجابنا باقتضاب بما معناه أن العلم اليوم ليس في أزمة مؤلفات فهي كثيرة ضافية و إنما هو في أزمة تناقص المتعلمين و فهمنا من ذلك إشارتين أولاهما أن زهده و ورعه و خوفه من شبهات الرياء يمنعه من تكرار التأليف في المواضيع  من غيرإضافة و لا تجديد  و ثانيهما أنه إن كنا نغار له من شهرة المؤلفين فهو يغار لنا من همة المتعلمين ففهمنا الأولي و لم نوفق في العمل بالتوجيه الوارد في الثانية.

 ومن العجب العجاب مواظبة الشيخ محمد عبد الله علي العلم فلا أذكر أني زرته في بيته – و كنت بفضل الله دائم التردد عليه-  و حتي في آخر عمره حين اشتد عليه المرض إلا وجدته معلما أو متعلما ، معلما يدرس بعض طلبة العلم أو متعلما غارقا في قراءة كتاب من العلوم الشرعية أو اللغوية و إلي جانبه مذياع يتابع منه مستجدات المشهد العالمي و كنت أقول في نفس و هل بقي شيئ في هذه الكتب إلا و عرفه الشيخ  أم عساه  أدمن المطالعة و لو من غير حاجة إليها  كما يدمن “عجزة الهمة” “مجالس المراء”…

كان بيت الشيخ محمد عبد الله بأبي ظبي محظرة موسوعية و جامعة متعددة الاختصاصات يأوي إليه طلبة العلم من الموريتانيين و الإمارتيين و غيرهم من المقيمين الذين كان لهم الشيخ معلما ومربيا و والدا كريما… ترك الشيخ مؤلفات في علوم الشريعة المختلفة خصوصا في الفقه و التفسير و إعراب جمل القرءان بالإضافة إلي موسوعة الفتاوي التي جمع فيها عصارة عمله في دائرة الإفتاء بالإمارات العربية المتحدة و هي قيد التحقيق و الطبع و من غير شك انها عندما تري النور ستشكل إضافة نادرة إلي المكتبة الإسلامية ترفع رؤوس الشناقطة بين مصاف الشعوب الإسلامية…كما رفعها إخوة له من قبل و لعل هيئة الإفتاء و رد المظالم المنشأة حديثا ببلادنا و  التي يرأسها العلامة محمد المختار ولد امبالة تهتم بتسريع تحقيق و طباعة هذا العمل العلمي النفيس…

للشيخ محمد عبد الله بنات و ولدان: أحمد و محمد سالم و يعمل أحمد في مجال الإعلام بدولة قطر الشقيقة و يعمل محمدسالم موظفا ساميا بوزارة الشؤون الاقتصادية و التنمية بموريتانيا و هما من خيرة الشباب تربية و تكوينا و سلوكا جعلهما الله خير خلف لخير سلف و ألهمهما و جميع آل الشيخ سيد المين يموريتانيا و المدينة المنورة و المهجر  الصبر و السلوان و إنا لله ,إنا إليه راجعون… و أتمني علي أحمد ولد محمد عبد الله ولد الصديق أن يكتب سيرة حياة والده  حتي نوفيه جميعا  بعض حقه وكي  يعم النفع وتستيقظ الهمم فسير االرجال مدارس للأجيال وحقا و  صدقا لقد كان الشيخ محمد عبد الله ولد الصديق من أمثل رجالات هذالعصر همة وعلما و ورعا… .

 

المختار ولد داهي

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة