شخصيات

ولد حمزة..من طفولة بأزقة داكار إلى “رئاسة” نواكشوط

في الثالث من ابريل الجاري ظهر أحمد ولد حمزة وهو يقدم شروحاً ومعلوماتٍ للناها بنت مكناس وزيرة التجارة والصناعة والصناعة التقليدية والسياحة. كان ذلك بمناسبة زيارة أدتها الوزيرة المعينة حديثا في هذا المنصب، لبعض المؤسسات الصناعية ومنها شركة (فامو) لصناعة المعجنات الغذائية التي يديرها. لكن هذه المناسبة كانت أيضا تعني شيئا آخر للرجل الذي عرفه سكان نواكشوط طيلة السنوات السبع الأخيرة، في منصب ومهام مختلفة، ودعها في التاسع فبراير الماضي ، عندما سلم المهام رسميا لخلفه أماتي بنت حمادي.
 
إنها العودة إلى عالم الأعمال والتجارة، عالم عرفه الرجل طويلا منذ خوض أول تجربة عمل له في القطاع عام 1973، وهو العائد من جنوب ضفة نهر السنغال.
 
قد تكون معنويات رجل الأعمال والسياسي المعارض في وضعية أفضل الآن، بعد استعادته لأمواله التي دفعها إثر اتهام مفتشية الدولة له بعدم تبرير نفقات لحوالي 350 مليون أوقية، لكنه قال حينها إنه سيدفع المبلغ كاملا من حسابه الخاص، غير أنه سيتابع الملف قضائيا، فلن تذهب أمواله في تسديد نفقات لأرقام يقول إنها أنفقت في دعم المساجد والجمعيات الثقافية والشبابية وهيئات المجتمع المدني والمستشفيات والمرضى؛ وحتى بعض القطاعات الوزارية الهامة، كما قال ولد حمزة ردا على اتهامات المفتشية، في يوليو العام الماضي، مؤكدا أن كل نفقات المجموعة تمر عبر مجلس مكون من عدة تشكيلات سياسية، وأنه لا يملك بمفرده حق التصرف في الحسابات.
 
يقول ولد حمزة إنه أمضى سبع سنوات من العمل المتواصل ، دون أن ينعم بيوم من الراحة، حاملا معه حلما كبيراً أن تتحول نواكشوط من عاصمة مترنحة بين البداوة والتحضر، إلى مدينة أنوار تضاهي مدن دول الجوار والعالم.
 
كان حلمه أكبر من الواقع. لم تتغير نواكشوط، وما زالت تعيش المشاكل نفسها، وتصبح وتمسي على فوضى الشوارع والأزقة والمساحات، ونقص البنى التحية وتواضع الموجود منها.  لكن “حمزة” كما يناديه أنصاره ترك اسماً معروفا لرجل كان يعتبر نفسه “رئيسا” لمدينة صغيرة بمقاييس العالم، كبيرة في بلد هي عاصمته وأهم مدنه.
 
لم يكن وصول أحمد ولد حمزة إلى منصب رئيس مجموعة نواكشوط الحضرية صدفة، فقد بدأ مساره السياسي عام 1991 ورغم انشغالاته في الأعمال التجارية إلا أنه ظل معارضا عنيداً لنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطائع.
 
ترشح لمنصب عمدة بلدية تفرغ زينه في انتخابات نوفمبر 2006 عن حزب تكتل القوى الديمقراطية، وتصدرت لائحته في الانتخابات المباشرة، وخلال التصويت في المجلس البلدي على اختياره عمدة يوم 19 ديسمبر الموالي فاز بـ 17 صوتاً مقابل 4 أصواب لمنافسته فاطمة بنت عبد المالك، وذلك بفضل آلية تصويت اعتمدها “ائتلاف قوى التغيير” الذي كان حينها يجمع قوى المعارضة الراديكالية، يقتضي دعم أي لائحة تابعة لأحد الأحزاب الأعضاء فيه تحل في الرتبة الأولى.
 
وبفضل الائتلاف أيضا فاز ولد حمزة بعد ذلك بتسعة أيام، برئاسة المجموعة الحضرية وحصل على 36 صوتاً من أصل 37 هم مناديب بلديات نواكشوط التسع في المجموعة، تاركا بلدية تفرغ زينه لياي انضو من حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل).
 
التحق بالعمل السياسي مطلع التسعينات، ودعم أحمد ولد داداه مرشح المعارضة في انتخابات 24 يناير 1992، ولاحقاً أصبح أحد الأعضاء النشطين في حزب اتحاد القوى الديمقراطية الذي أضيفت له “عهد جديد” مع انضمام ولد داداه له وتوليه زعامته، وهو شعار حملة الرئاسة التي خاضها ضد غريمه الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطائع الذي كان قد تخلى لتوه عن بدلته العسكرية، وقرر نقل البلاد إلى مسار ديمقراطي تعددي، لكن ولد حمزة مثل بقية أنصار ولد داداه يقول إن الانتخابات الرئاسية كانت “مزورة وظالمة”.
 
ظل طيلة عقد التسعينات عضوا في المكتب التنفيذي للحزب الذي كان أبرز قوى المعارضة، وشغل عدة مناصب فيه، منها مسؤول الشباب. وكان رمزاً لروح التجديد والحداثة، مما أهله لخوض انتخابات 1996 النيابية في دائرة تفرغ زينه، وحصل على 42 بالمائة من أصوات الناخبين، في نتائج لم يعترف بها حزبه الذي كان يخوض غمار ثاني سباق انتخابي بعد رئاسيات 1992، حيث أنه قاطع النيابيات التي أجريت في العام نفسه، لكنه عاد لاحقا ليشارك في انتخابات 1994 البلدية.
 
مع تأسيس تكتل القوى الديمقراطية أواخر 2001 ابتعد ولد حمزة عن رفاق المعارضة، ويقول إنه أخذ عليهم عدم دعوته وإشراكه في التأسيس، فقرر مقاطعتهم ودعم فيما بعد النظام الحاكم، من خلال مبادرته التي عرفت باسم “نعم معاوية”، واستمر على ذلك حتى 2006 حيث دعاه ولد داداه إلى العودة، ومن ثم رشحه الحزب عمدة لتفرغ زينه.

 
طفولة داكار
 
في 13 مارس الماضي نظم حفلا بسيطا بمناسبة عيد ميلاده الثاني والستين، حضره بعض أصدقاءه. كان الحفل رمزياً لكنه يعني له دخول مرحلة عمرية جديدة.
 
وُلد عام 1952 في بنشاب بولاية انشيري في موريتانيا، لكن انتقال الوالد مبكراً إلى العاصمة السنغالية داكار أحدث نقلة في حياة الطفل، وجعلته يترعرع في حارة ” تابلو آيدارا” الشعبية العريقة بضاحية داكار الكبرى “كران داكار”، فقد وصل إلى هناك وهو لم يكمل بعد عامه الثاني، فنشأ سنغالي الهوى حيث أكمل جميع مراحل الدراسة في بلاد سينغور، فاكتسب الثقافة واللغة والعادات.
 
توفي والداه الاثنان، وهو يدرس في المرحلة الابتدائية، فأكمل المشوار في الحي نفسه بداكار، مع أخواله في منزل يقول إنه كان وجهة لعدد كبير من أطر الدولة الموريتانية حديثة النشأة، أغلبهم كان يزور داكار في مهام رسمية أو في تدريب. كان أحدهم ضابطاً من قوات البحرية الموريتانية الوليدة جاء لاستلام أول باخرة تدخل الخدمة العسكرية لموريتانيا.
 
عرض الضابط على الشاب أحمد ولد حمزة الحاصل على شهادة في التجارة والتسيير، مرافقته، فغادر معه إلى بلده الأم في زيارة هي الأولى له، وكانت وجهته نواذيبو، ومنها استقل القطار نحو مدينة أزويرات، وبعد ثلاثة أشهر في مدينة المناجم، لم يوفق في الحصول على عمل يرضيه، فعاد أدراجه إلى السنغال.
 
وهو في داكار نما إلى علمه خبر حول نية أحد أقاربه هو اعبيدي ولد الغرابي افتتاح شركة تجارية، فغادر مجددا إلى الديار.  وفي أكتوبر 1973 كان الوكيل التجاري أحمد ولد حمزة هو العامل رقم 001 في الشركة الجديدة.
 
يقول إن مهاراته وجدارته ظهرتا بسرعة فقرر المساهمون ترقيته بعد سنتين ونيف ليصبح المدير التجاري، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى 1981 حين أقنع مستثمرين أوروبيين ومغاربة بجدوائية فتح مصنع للمعجنات الغذائية، سيصبح فيما بعد “فامو موريتانيا” على غرار “فامو المغرب”، فكان ولد حمزة من أكبر المساهمين الموريتانيين فيه، وتولى إدارته التجارية ومديرية الأشخاص عن الجانب الموريتاني، في حين تعاقب على تولي الإدارة العامة  والمالية بعض الشركاء الأجانب.
 
تسع سنوات استغرقها ولد حمزة ليصبح أكبر المساهمين في رأس مال الشركة، ليكون بذلك الرئيس المدير العام لها، وظل كذلك حتى يناير 2007، تاريخ انتخابه رئيساً لمجموعة نواكشوط الحضرية، قبل العودة إليها مجددا قبل أقل من ثلاثة أشهر من الآن.

في المجموعة الحضرية
 
خاض ولد حمزة معركة شرسة في مجموعة نواكشوط الحضرية، بدعم من كبار مساعديه المنتمين إلى بعض أحزاب المعارضة، وبحسب حصيلة أعماله فقد كانت تسوية ديون المجموعة  ووضعيتها المالية المزرية في أولوياته. حيث تسلمها في السابع يناير 2007 بحسابات خاوية، وعمال لم يتلقوا رواتبهم لمدة 3 أشهر خلت، وبناية متهالكة وسيارات في حالة مزرية.  وفي العام الأول ضبط المداخيل، فتضاعفت حتى حصل فائض عن الميزانية ظل يتزايد إلى أن وصل إلى 4.5 مليار أوقية مع تسليمه المهام فبراير الماضي.
 
في تقييمه للحصيلة يؤكد أنه كان في بداية 2008 مستفيدا من جدية الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في تطبيق سياسة اللامركزية في تسيير البلديات. فبدأ حمزة في إخلاء الساحات العامة وإنهاء الاحتلال العشوائي وسط المدينة، وكان من أهم قراراته في هذا الشأن تكسير 42 محلا تجاريا كانت إدارة الأوقاف قد شرعت في بناءها في محيط (مسجد المغرب)، ولم تُجد الضغوطات ولا المحاولات التي بذلها مدير الأوقاف، والتجار المالكون في ثنيه عن تكسيرها بقوة القانون، كما يقول.
 
في 2008 قرر بناء مقر جديد للمجموعة الحضرية. ومع ارتياح وكالة التنمية الفرنسية والشركاء الذين التحقوا بها عرض عليهم تمويل جملة من المشاريع الكبرى للنهوض بمدينة نواكشوط، ومن أهمها : بناء كورنيش بطول 17 كلم على شاطئ نواكشوط، وبناء موقف سيارات في ساحة قصر المؤتمرات مع رصيف مزدوج للجري والمشي، وإنشاء حديقة عامة، وإقامة نصب الاستقلال في ساحة الاستقلال المقابلة لإذاعة موريتانيا من جهة الغرب، وبناء ملعب للرياضات الأولمبية في المساحة التي تحتضن حاليا إدارة الأمن، وبناء سوق مركزي للعاصمة، وتحويل السوق الحالي لموقف سيارات ضخم، وبناء مواقف سيارات تحت الحدائق العامة في الساحات الواقعة بين القصر الرئاسي وشارع جمال عبد الناصر.
 
 وافق الشركاء علي تمويل كل المشاريع المقترحة، إما بشكل كامل أو بمشاركة ميزانية المجموعة الحضرية، غير أن مرحلة التنفيذ صادفت ما بعد انقلاب 2008 حيث أوقفت الحكومة العمل في ساحة الاستقلال ووضعت اليد عليها، وكذا ساحة الملعب التي شيدت فيها إدارة الأمن، وكذلك الساحات الأخرى، وظلت وزارة التجهيز “تماطل” في منح ساحة (بورصة الشمس) المخصصة لبناء السوق الجديد، كما أوقفت بناء المجموعة الحضرية لأربع دوارات عصرية في ملتقيات طرق العاصمة، وظل ولد حمزة يشتكي من التعدي علي صلاحيات المجموعة الحضرية. 
 
يتحسر الرجل أن الحكومة ضايقته ومنعته من إقامة منشآت تخدم الصالح العام، وتنهض بنواكشوط، خصوصا وأن دراسة مشروع تشييد السوق المركزي (مرصت كبتال) انتهت، ووضعت المخططات، ووافقت الوكالة الفرنسية للتنمية على تمويله بمبلغ 7.5 مليون أورو  منحة مجانية، لكن حكومة ما بعد أغسطس 2008 رفضت منح  الأرض وكذلك الساحة التي كان مبرمجا أن يشيد فيها ملعب للرياضات الأولمبية.

عاشق للفن والسينما
 
يتمتع بشخصية من طراز خاص، تنعكس في ملابسه وحديثه ومعاملاته. إنها خليط من الطبيعة الموريتانية والثقافة الافريقية وحياة المدينة..عاشق للسينما، ويستمتع بمشاهدة الأفلام ذات الصبغة الدرامية، وأفلام التحقيقات البوليسية، ويطرب للأغاني والموسيقى. ويهوى الرياضات الأولمبية، خاصة الجري والقفز، وهو عضو سابق في المكتب التنفيذي للاتحادية الموريتانية لكرة القدم، وللجنة الأولمبية الوطنية.
 
عاد إلى أعماله، فهو اليوم مدير لشركة فامو، ورئيس اتحادية الصناعة، وعضو الاتحاد الموريتاني لأرباب العمل، ومسؤول العلاقات الخارجية في غرفة التجارة والصناعة والزراعة الموريتانية. لكنه مصمم على عدم الابتعاد عن عالم الأضواء، فمزال قياديا في تكتل القوى الديمقراطية ملتزما بقراراته، ويشغل منصب رئيس التحالف الفرانكفوني بموريتانيا، ورئيس الرابطة الفرانكفونية، وأشرف في مارس الماضي على تنظيم أسبوع الفرانكفونية.
 
كان ولا زال يحضر فعاليات هنا وهناك، بحكم موقع المسؤولية أو من منطلق الهواية أو التشجيع لأصحابها، أو تلبية لدعوة خاصة، فللرجل علاقات بمختلف أطياف المجتمع، رسخها خلال السنوات التي أدار فيها مجموعة نواكشوط الحضرية، وترأس فيها هيئة العمد الموريتانيين التي تضم 216 بلدية (منذ يناير 2007). وكان في تلك الفترة أيضاً، عضواً في المكتب التنفيذي لرابطة العمد الفرانكفونيين. كما شغل مناصب دولية منها نائب رئيس المجلس التنفيذي لهيئة الحكومات المحلية، وعضو المكتب التنفيذي للهيئة العربية للمدن، وعضو المكتب التنفيذي لمؤسسة العواصم الإسلامية، ونائب رئيس الصندوق الدولي لتنمية المدن، ونائب رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الاقليمية الأورومتوسطية، وغيرها من الهيئات.  وانعكس ذلك في حجم حفلات  التوديع التي نُـظمت له  ، وقبلها الأوسمة التي تلقاها من مختلف أنحاء العالم.
 
وتشير السيرة الذاتية لولد حمزة إلى أنه حصل في موريتانيا على وسامين من درجة فارس في نظام الاستحاق الوطني عامي 2001 و 2007، وحصل أيضا على وسام فارس من طرف الرئيس السنغالي، ومثله من الرئيس الكونغولي. وفي المغرب حصل 2010 على “الوسام العلوي” الذي يمنحه الملك.  ومن فرنسا حصل على وسام ضابط من طرف الرئيس نيكولا ساركوزي 2010، وقبل ذلك حصل على وسام فارس من طرف الوزير الأول 2002، إضافة لبعض الأوسمة من مناطق أخرى.
 
في إحدى المقابلات الاذاعية يقول إنه لا يملك وقتا لحياته الخاصة، نظرا لضغوط العمل. لكنه اليوم، وبعد انتهاء “رئاسته” لنواكشوط، يعود إلى أعماله التجارية وإلى حياته الخاصة : عائلته وبناته وابنه الوحيد “مُعاذ” الذي يحمل اسم معاذ ولد سيدي عبد الله.. رجل تعني ذكراه الكثير لأحمد ولد حمزة.
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة