الرأي

يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضر/ عبد الله ولد أحمد

يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضر/ عبد الله ولد أحمد

إن مما تكتسب به البلدان -عادة- أهميتها، وتنتزع بواسطته شهرتها، ما تتميز به من ثروة اقتصادية، أو مناظر سياحية، أو نهضة ثقافية.. ولعل بلاد شنقيط (موريتانيا) اكتسبت شهرتها وذاع صيتها في العالم الإسلامي من خلال إبداعها لنموذج تعليمي فريد (المحظرة)، ذلك النموذج الذي حفظ للبلد دينه الإسلامي الحنيف، ولغته العربية الفصحى.. على الرغم من انعدام السلطة المركزية واحتدام ظاهرة “السيبة”..

لقد وفر ذلك النموذج الإبداعي (المحظرة) التعليمَ من المستوى الابتدائي حتى آخر مراحل التخصص.. في علوم الشريعة، واللغة العربية، وما يتعلق بهما من آداب وفلسفة  وتاريخ… إلى آخره.. فكوّنت وخرّجت أجيالا من العلماء والدعاة والمفكرين، نشروا الإسلام في غرب إفريقيا، وكانوا سفراء موريتانيا في المشرق والمغرب.. أذعن علماء البسيطة لعلمهم وقهروهم بتمكنهم في جميع المعارف الإسلامية أينما حلوا.. فظلوا وظلت المحظرة على مر التاريخ مفخرة ساكنة هذه الأرض، سواء منها ما هو في الأعرشة، أو على ظهور العيس، فكانت ميزة حضارية علمية لا نظير لها، خلقت منهجا تعليميا فريدا، وأنتجت فطاحلة في كل الفنون، وحافظت على الأخلاق الحميدة، بل هذبتها ومحّصتها وصدّرتها.

ذلك النموذج الإبداعي الأصيل، وتلك النبتة الدينية والثقافية العجيبة، وذلك التاريخ المليء بالنوازل والفتاوى والطرائف، وأولئك العلماء الذين قهروا المناخات السيئة وتغلبوا على قحط الحياة في سبيل بث العلم، وذلك الإرث الثمين من كتب وطرر وحواش وشروح، هو ما أدار له حكامنا (ولا أحاشي من الأقوام من أحد) عن عمد ظهورهم وتنكروا له وتجاهلوه.. ومارسوا عليه وعلى رواده أبشع أنواع التهميش الممنهج والإقصاء المتعمد…

لقد عملت كل الحكومات السابقة على تمييع مفهوم المحظرة، مما نتجت عنه فوضى عارمة في التعامل مع هذه الهيئة العلمية الكبيرة.. فبعد أن كانت المحظرة لا تطلق إلا على الجامعة الإسلامية (بكل تخصصاتها)، أصبحت “علما بالغلبة” على كوخ في “گزره” أو  “أدباي” لم يزره زائر ولم يذكره ذاكر.. أحوج الناس إلى محو الأمية الأبجدية هو من يقوم عليه..

أتذكر أنه بداية تسعينيات القرن الماضي ألقى الوزير المكلف بـ”المحاظر” حينها خطابا مطولا أمام ملتقى أقامته إحدى المؤسسات الدولية “المؤتمنة” من أجل “تطوير المحظرة”، عدد فيه “الانجازات” القيمة والكبيرة والهامة (حسب تعبيره).. غير أنه اكتفى بذكر اثنين فقط من تلك الإنجازات القيمة والكبيرة والهامة!!:

–    إحصاء شامل و”دقيق” للمحاظر الموريتانية. وقد بلغ عددها (والعهدة على السيد الوزير) حوالي ستة آلاف محظرة.

–    إنشاء معهد مهني لتكوين خريجي المحاظر تبلغ طاقته الاستيعابية حوالي 300 شخص تقريبا.

إنجازان هما كل ما قدمه وقتها السيد الوزير مما قيم به على مدى عقد من زمن حكم الرئيس ولد الطايع حينها.. وإن كان المحظريون لم يستوعبوا أو يفهموا بالقدر الكافي أهمية وقيمة انجازي الوزير.. تساءل احدهم: أي فائدة  تعود من هذا على المحاظر نفسها؟، وما العلاقة بين تخصص التعليم المحظري واللحامة (سودير)؟!.  إنه “الجهل إذن بالمحظرة وطبيعتها ودورها التاريخي”، حسب تعبيره…

صحيح أنه، في ظل تلك الحكومات، كانت هناك فرص أمام خريجي المحاظر للالتحاق بالوظيفة العمومية حيث مسابقة القضاء والمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية وشهادة الباكلوريا: شعبة الآداب الأصلية.. وإن كانت تلك الفرص لا ترقى للمستوى المطلوب..

لكن ما وقع من التهميش والظلم في عهد “عزيز موريتانيا” جعل المحظرة والمحظريين يرددون:

يا زمانا بكيت منه فلما = = صرت في غيره بكيت عليه.

 

“ردون الْ عربيّ بواشهاب واحد”..

في حكم عزيز مس المحظرة وأهلها الضر، وازداد وضع المحظري سوء وتعقيدا.. حيث وُصد أمامه البابان اللذان كانا يمكنانه من ولوج سوق العمل من قبل؛ فالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية (قبلة طلاب المحظرة) تم تحويله إلى جامعة إسلامية ليتم إلغاء دخوله عن طريق المسابقة السنوية التي كان طلاب المحظرة المستفيد الوحيد منها، أما شهادة باكلوريا الآداب الأصلية (Bac O) فلكي يتم حرمان المحظريين منها، ومن ثم يتم حرمانهم من المعهد العالي، أضيفت لها مواد بضارب يضمن إقصاء طالب المحظرة من الحصول عليها.. مع أنها وحدها التي تخوله الدخول إلى “جامعة عزيز”.

إن من الغريب أن كل الأنظمة المتعاقبة على سدة الحكم حافظت على رفع شعار “تكريم وتبجيل العلماء”، مع أنها لم تقدم لهم شيئا على أرض الواقع.. فلم يستفد شيوخ المحظرة من التأمين الصحي على غرار وكلاء الدولة، ولم تمنح لهم قطعا أرضيا كأساتذة الجامعة! ولم تخصص لهم مرتبات شهرية كمعلمي محو الأمية! وحتى المهام التي تدخل في اختصاصهم، كالبعثات الرمضانية وبعثة الحج مثلا، يحرمون منها بدون سبب وجيه.. شأنها في ذلك شأن الطالب المحظري نفسه فلا توجد أي مخصصات لإقامة مساكن.. أو أماكن للتدريس.. أو مكتبات للمطالعة، والطلاب المحظريون يعيشون على حساباتهم الخاصة، أو على حساب شيخ المحظرة، والأدهى والأمر من هذا كله أن تسد أبواب الترشح لولوج الوظيفة العمومية أمام حاملي الإجازة المطلقة من هذه الهيئة العلمية الكبيرة، وتفتح أمام أهل شهادة ختم الدروس الإعدادية (ابريفه)!!، وأن يطلق العنان لاتهام المحظرة بأنها “مصدر للإرهاب” مع أن تاريخ المحظرة ومنهجها بعيدان كل البعد من التطرف والغلو.. اللذين لم يظهرا إلا مع دخول المعهد السعودي وبعض الهيئات المشبوهة التي لا علاقة لها بالمحاظر على أرض الواقع (اللهم الا محاظر الحقائب والأوراق).

إن من الواجب على الدولة أن تكفر عن هذه الجرم البشع والمتعمد في حق نخبة من أبناء المجتمع، وأن تعترف بالإجازة المحظرية، وتمنح المحظريين حق معادلة الشهادات.. وعلى مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية كل من موقعه التحرك لرفع هذا الظلم الصارخ والتهميش الممنهج عن هذه الفئة النخبوية.

 

 أيها العزيز:

لقد رفعتم شعار “الحرب على الفساد والمفسدين”، وإن المحظرة وروادها يلفتون عنايتكم إلى أن الوزارة الوصية عليهم بؤرة من بؤر الفساد المستعصي على الإصلاح.. ينخر الفساد والمحسوبية والزبونية جسمها المتهالك.. لا تميز بين ضب المحاظر ونونها.. ليس لها أي معيار لتحديد مفهوم المحظرة.. كل ما يهم القائمين عليها هو زيادة عددها؛ ليزيد حجم المخصصات لها، وبالتالي يزيد حجم النهب والتحايل”.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة