شخصيات

​الملك عبد الله.. إصلاحي حذر

يعد العاهل السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز إصلاحيا حذرا تمكن من النهوض بأكبر قوة نفطية في العالم، والحفاظ عليها بعيدا عن الاضطرابات التي عصفت بالعالم العربي طوال السنوات الأربع الماضية.
 
والملك عبدالله الذي ولد في الرياض عام 1924، هو الابن الثالث عشر للملك عبد العزيز، مؤسس المملكة.
 
والملك عبدالله الذي توفي عن عمر يناهز التسعين عاما، كان صعد إلى سدة الحكم مع وفاة أخيه الملك فهد في 2005، إلا انه كان يدير شؤون المملكة بحكم الأمر الواقع منذ 1995.
 
وبعد خضوعه لعدة عمليات جراحية خلال السنوات الاخيرة، قلل الملك عبدالله من ظهوره في المناسبات العامة، وكان يمثله ولي العهد الامير سلمان بن عبد العزيز البالغ من العمر 77 سنة والذي جرت مبايعته ملكا.
 
كان عبدالله معروفا ببساطته وإيمانه. وعزز صورته بصفته ملكًا نزيها وقريبت من الناس، في تناقض مع صورة شخصيات أخرى.
 
ونقلت وكالة فرانس برس عن دبلوماسي غربي قوله إن الملك عبدالله هو الملك الأكثر شعبية منذ الملك فيصل؛ الذي اغتيل عام 1975.
 
وواجهت بالمملكة التي تحتضن على أرضها الحرمين الشريفين، بحزم المجموعات المتطرفة وانضمت خلال عهد عبدالله إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” وشاركت في الضربات الجوية ضد المتطرفين.
 
وحذر الملك عبدالله الغرب بشدة من خطر المتطرفين اذا لم يتم اتخاذ تدابير حازمة ضدهم، معتبرا ان خطر هؤلاء قد يصل الى أوروبا وأميركا في غضون اشهر.
وفي الوقت نفسه، وضعت المملكة في عهد عبدالله ثقلها من أجل حماية حصتها من سوق النفط في مواجهة تنامي إنتاج النفط الصخري في أمريكا الشمالية.
 
وتحت تأثير المملكة، امتنعت منظمة الدول المصدرة للنفط عن اتخاذ قرار بخفض مستويات الانتاج بالرغم من انخفاض الأسعار.
 
وعلى الساحة الداخلية، قاد الملك عبدالله مشروعا اصلاحيا حذرا، إذ حاول التوفيق بين جناح ليبرالي متعطش للتطوير والمؤسسة الدينية النافذة في المملكة المحافظة.
 
وفي 2005، نظم الملك أول انتخابات بلدية جزئية ومنح المرأة الحق في التصويت خلال العملية الانتخابية المقبلة في العام الحالي، حتى ولو ان المملكة ما زالت تحظر على النساء قيادة السيارات.
 
وخفف الملك عبدالله ايضا من سطوة الشرطة الدينية وادخل إصلاحات الى قطاع التربية، كما افتتح في 2009 جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، وهي أول جامعة مختلطة في المملكة، ودخلت سريعا إلى تصنيف 500 جامعة الأفضل في العالم، مع جامعتين سعوديتين أخريين.
 
وفي عهده افتتحت 12 جامعة جديدة، وجرى توسيع جامعات أخرى وتطويرها، كما زاد عدد الطلاب المبتعثين للدراسة في الخارج عن 200 ألف. في زيادة غير مسبوقة، كما رفعت رواتب الطلبة المبتعثين بنسبة 50 في المائة.
 
وعلى مستوى الصحة تم إنشاء خمسة مدن طبية. وتطورت الخدمات بشكل كبير.
 وأمر الملك بإنشاء مدينة “وعد الشمال” الصناعية للاستثمارات التعدينية في عرعر.
واقتصاديا أيضا جرت الموافقة على انضمام السعودية لمنظمة التجارة العالمية بعام 2005، والإعلان عن مشروعات اقتصادية ضخمة منها مدينة الملك عبد الله الاقتصادية ومدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد ومدينة المعرفة ومدينة جازان الاقتصادية ومركز الملك عبد الله المالي.
على صعيد المناطق الاقتصادية فقد تم التخطيط لإنشاء مدن اقتصادية في كل من رابغ وحائل والمدينة المنورة وجازان وتبوك، كما تم تأسيس جامعات جديدة في المدينة المنورة وتبوك وحائل وجيزان والطائف والقصيم والجوف والباحة وعرعر ونجران.
 
ووضع حجر الأساس لمشروعات عملاقة في جدة ومكة المكرمة تفوق كلفتها 600 مليار ريال تحت مسمى “نحو العالم الأول”. كما أقيمت أكبر توسعة للحرمين الشريفين على مدى التاريخ.
 
كما شارك الملك الراحل في مؤتمر قمة العشرين الاقتصادية العالمية والتي انعقدت في واشنطن 2008، للأزمة والتي أعلن خلالها رصد المملكة مبلغ 400 مليار لمجابهة الأزمة المالية العالمية ولدفع عجلة التنمية والنهضة في المملكة وضمان لعدم توقف مشاريع التنمية بها ولدعم وحماية المصارف المحلية.
 
وفي عهد الملك الراحل تم إنشاء هيئة مكافحة الفساد على أن تكون مرتبطة بالملك مباشرة.
 
وعلى صعيد المشروعات السكنية جرى تخصيص 250 مليار ريال سعودي لبناء 500 ألف وحدة سكنية بجميع مناطق المملكة
 
وعلى المستوى السياسي، تمكن الملك عبدالله من حماية بلاده من العاصفة التي هبت على العالم العربي في 2011. واستخدم العاهل السعودي الراحل ثروة بلاده الضخمة من أجل اتخاذ تدابير ترضي المواطنين، وخصص 36 مليار دولار من أجل خلق الوظائف وبناء الوحدات السكنية ولمساعدة العاطلين عن العمل.
 
وبالرغم من انخفاض أسعار النفط في النصف الثاني من العام الماضي، أمر عبدالله بالابقاء على مستويات إنفاق مرتفعة في ميزانية العام الحالي، وذلك خصوصا للحفاظ على السلم الاجتماعي.
 
والملك عبدالله الذي عرف بدفاعه عن النظام العربي القائم، استقبل على أرض المملكة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، ولم يرحب باسقاط الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
 
ودعم الملك عبدالله بقوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد عزل الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، كما اعتبرت المملكة جماعة الاخوان المسلمين التي ينتمي اليها مرسي “منظمة إرهابية”.
 
وكان الملك الراحل صمام الأمان لحالات الاحتقان والانسداد السياسي التي كانت تعاني منهما الأمتان العربية والإسلامية، وبواسطة الحوار، أمكنه أن يخفف من غلواء الصراعات والاقتتال في كثير من المفارز المهمة في القضايا الساخنة، بينها احتضانه اتفاق مكة بين الأطراف الفلسطينية (فتح وحماس) في 8 فبراير 2008، برعاية الملك عبد الله بن عبد العزيز، والذي نص على وقف الاقتتال الداخلي وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
 
وكذلك سعيه لرأب الصدع بين المكونات العراقية، ففي 20 أكتوبر 2006 وقعت برعاية سعودية أطراف عراقية في مكة المكرمة على وثيقة تهدف إلى تحريم الدم العراقي، ووقف الاقتتال الطائفي الذي كان يحصد عشرات العراقيين يوميا.
 
سعيه إلى المصالحة، قاده في اليوم الأول لاستلامه مقاليد السلطة للعفو عن الليبيين، الذين ثبت تورطهم في مؤامرة محاولة اغتياله في نهاية عام 2003. متنازلا بذلك عن حقه فيمن خططوا لاغتياله من الليبيين.
 
وأبلغ الملك الراحل مجلس الوزراء السعودي، الذي عقد في 8 أغسطس أولى جلساته تحت قيادة الملك عبد الله، بعد مبايعته ملكا على البلاد، قراره بالعفو عن الليبيين الذين “أثبتت الأدلة تورطهم في مؤامرة النيل من استقرار المملكة وأمنها، وذلك انطلاقا من مبادئ المملكة العربية السعودية السامية، التي تقوم على لم الشمل ورأب الصدع، والعفو عند المقدرة، والترفع عن الإساءات الموجهة إليها”. وأكد أن “المأمول أن تكون هذه البادرة، خطوة بناءة نحو جمع كلمة الأمة العربية، وتوحيد صفه”.
 
وقد أسهم ذلك العفو الملكي السعودي، في إنجاح القمة العربية وقتها، حيث إن الهدف من العفو هو تجاوز الخلافات، والنزوع إلى ما يوحد الدول العربية.
 
في حالة مشابهة اتخذ الملك الراحل خطوة باتجاه الرئيس السوري بشار الأسد، المتهم نظامه بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
 
ففي 19 يناير 2009 أنقذ الملك عبد الله القمة العربية الاقتصادية التي كانت منعقدة في الكويت من الفشل حين أعطى زخما في ملف المصالحة العربية، بعد قمة خاصة في مقر إقامته جمعت الرئيسين المصري حسني مبارك، والرئيس السوري بشار الأسد، بالإضافة لقادة مجلس التعاون الخليجي، أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، بالإضافة للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
 
على الصعيد الخليجي، كان الملك الراحل راعيا للمصالحة الخليجية الأبرز التي أعادت اللحمة الخليجية بين دول المجلس، حيث رعى مصالحة خليجية مع دولة قطر أقيمت في الرياض في 16 نوفمبر العام الماضي، سبقت انعقاد القمة الخليجية في الدوحة، كما رعى في نهاية ديسمبر الماضي وساطة لتطبيع العلاقات القطرية – المصرية، أسفرت عن تبادل الزيارات بين موفدين، وتسوية الكثير من القضايا العالقة بين البلدين.
 
وعلى المستوى الاقليمي أيضا، أطلق الملك عبدالله مبادرة السلام العربية مع اسرائيل، وهي المبادرة التي رفضتها الدولة العبرية.
 
كما حاول الملك عبدالله باستمرار مواجهة تمدد النفوذ الإيراني.
 
وأظهرت تسريبات موقع ويكيليكس أنه كان حازما في موقفه من ايران. وبحسب التسريبات، دعا الملك عبدالله الولايات المتحدة في إطار كلامه عن ايران إلى “قطع رأس الأفعى” للقضاء على المشروع النووي الايراني.
 
وبالرغم من التحالف القوي مع الولايات المتحدة، لم يتوان الملك عبدالله عن توجيه انتقادات لاذعة إلى واشنطن لاسيما عندما أشار إلى “الاحتلال غير الشرعي” للعراق من قبل القوات الأمريكية.
 
وداخليا كان عبدالله قريبا من القبائل التي كانت المصدر الرئيسي لعناصر الحرس الوطني الذي قاده طول عقود قبل أن يسلمه إلى نجله الأمير متعب.
 
والملك عبدالله كان يستمتع بقضاء الوقت مع رجاله، وأدى معهم عدة مرات رقصة العرضة مع علم سعودي على كتفه والسيف في يمينه.
 
ومثلت العرضة باستمرار رمزا للالتفاف الوطني حول اسرة آل سعود الحاكمة.
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة