مقالات رأي

أبيدجان التي نسجت حكاية سامي / عبد الله محمدي

لم يكن هنالك مسافرون كثر في مطار أبيدجان، لذلك مرت الإجراءات بسرعة. الجو يميل إلى حرارة معتدلة مع رطوبة ملحوظة، كما هي العادة في مثل هذا الفصل الخريفي. ذهبت مسرعا إلى الفندق حيث اعتدت أن أقيم.

كان هنالك شبحه  يجول في المكان.

تخيلته جالسا على أحد تلك الكراسي، مبتسما. لا بد أن ابتسامته خفتت بسرعة، أو تبخرت في الجو، لأن الزبائن كانوا قلة في زمن الجائحة. وكم كان ذلك يقلقه.

جاء سامي حسن الذي رحل عنا في عز الأزمة الصحية إلى هذه البلاد نطفة في بطن أمه، وكعادته ظل يروي لنا حكايته الأبدجانية دون ملل، متحدثا بعشق يقارب الغرام عن ساحل العاج.

رأى النور لأبوين لبنانيين ينتميان إلى إحدى ضيعات الجنوب. تعلم ودرس في فرنسا، قبل أن يعود مكتشفا لطريقة أخرى في صنع الثروة، تخالف تماما ما عرفه أسلافه من الشوام الذين عاشوا في هذا المهجر الإفريقي.

«أثريت بالعلم، بينما باقي اللبنانيين أثروا بالجهد»، كما تعود أن يكرر باسما، وهو يحرك قهوته التركية المرة.

«حين جئت وجدت أنني الوحيد في العائلة الذي يتحدث الفرنسية ويكتبها بطلاقة، فعملت في

تخليص البضاعة لدى الجمارك لإخوتي أولا، ثم لسائر الجالية»، يضيف.

«هكذا دخلت رويدا رويدا عالم التجارة. يومها كان معظم اللبنانيين يعملون في تجارة الأقمشة»، تلمع عيناه لدرجة الانتشاء. حينها يذرع سامي بخطى متسارعة فسحة الاستقبال في فندق «لغراند اوتيل» ناظرا إلى الصورة المعلقة ضمن جداريات ومعلقات متعددة تزين الواجهة.

صورة عريضة لبناية الفندق تعود للخمسينات حين كان أشهر فندق بالعاصمة العاجية ومحط رحال الطبقة الغنية من التجار والمستعمرين.

«هذا الفندق هو حياتي»، يردد سامي وهو يتحدث عن المكان الذي ملأ حياته. 

هنا أقام الجنرال ديغول في زيارته لابيدجان سنة 1956، وكان لا يزال حائرا كيف يلغي وعد الاستقلال للمستعمرات، ومن بينها ساحل العاج، لأن الاستقلال سيحرم فرنسا من «خزنة المال» التي لا تنضب، كما ظلت توصف هذه البلاد الغنية.

كم هم لؤماء هؤلاء الفرنسيون. أخذوا المال والجهد والدم ولا يزالون يسرقون الكنز، وإن تغيرت

الوسائل. ولكن لماذا أقول هذا؟ شو بدي فيهم؟ يقول سامي بزفرة وقد أحس بوطأة المرض والندم على وصف فرنسا بذلك، وهي التي علمته وأعطته جنسيتها.

في هذا الفندق الذي يطل على بحيرة اللاغين التي تقسم أبيدجان إلى قسمين عاش معظم سنواته الأخيرة، ومن غرفته المطلة على البحيرة شاهد معظم الأحداث التي صنعت تاريخ البلاد.

شاهد جنازة الأب المؤسس هفويت بوانيي الذي حارب الاستعمار ودافع بشدة عن مواطنيه وهم يستعبدون ليقوموا بأعمال السخرة وتبوأ مناصب في فرنسا، قبل أن يصبح أول رئيس لساحل العاج.

الرجل الذي هرم في السلطة كان يلقي بمعارضيه لقمة سائغة لتماسيح البحيرة عند فناء قصره.

شاهد أيضا جنود الجنرال المتقاعد روبرت كي يحولون احتجاجاتهم على عدم دفع الرواتب إلى انقلاب ثم لاضطرابات أخرى، وإلى فوز غير متوقع للوران غباغبو، ومعها عشر سنوات من الحرب الأهلية، ثم حرب أخرى، ومحاولات انقلاب واضطرابات قبل أن تنعم بلاد البُن والذهب والأناناس بقليل من الهدوء. 

حين بدأت البلاد تعرف الهدوء جاءت الجائحة، ولم يبق الكثير من الوقت لسامي حسن الذي بدأت فكرة الموت تطرق نوافذ وأبواب رأسه. صار يتحدث عن الحياة والموت وأهمية الدين والروحانيات لحياتنا المرتبكة الباحثة عن يقين.

في مكتبه توجد كتب عربية في السياسة والدين. لكن الرجل الذي بذل المستحيل لدفن أمه قرب مثوى السيدة زينب في قلب دمشق كان يؤجل أشياء كثيرة، ومنها الخوض في غمار السؤال الوجودي، ومن كان على حق، مذهب آل البيت الذي تبناه بحكم الولادة في أسرة شيعية أو أهل السنة، المذهب السائد بين مسلمي ساحل العاج، لكنه كان ينهي حديث النفس والروح بأن كلا الفريقين مسلمون. وهذا يكفي. ثم يعود لينغمس مجددا في تسيير أعماله، والإحسان إلى أصدقائه ممن جار عليهم الزمان، وكانوا كثيرين.

في الصباحات الباكرة يبتسم حسن وهو يأخذ فطوره المكون من مناقيش الزعتر والفول المدمس

والقهوة التركية.

يشرب الكوب تلو الآخر قبل أن يطل على سجل الحجوزات، فإذا كانت عامرة أطلق ضحكته وشرب من سيجارته نفسا، وإذا كان العكس مثلما هو الحال في الغالب، لعن أهل السياسة الذين يصنعون المشاكل، فلا أحد يرضى بالسفر في الأوقات الحرجة الصعبة.

ماذا لو عاش الجائحة ورأى الفندق يقارب الاغلاق، لابد أنه سيطلق صيحة مدوية مشفوعة بعبارته الأثيرة: الله يلعن هذا الزمن.

اليوم، رُكنت صورة سامي بالأبيض والأسود تحت صورة الرئيس الحسن واتارا كما كان سيحبذ ذلك بلا شك، وفكرت أن حلمه الأكبر لم يتحقق، أن يتابع ابنه نفس المسار الذي بدأه هو قبل عقود. أليس الابن سرّ أبيه، وامتداد له، كما يقال ؟

لكن الابن الذي شب عن الطوق في بلاد الإنجليز، لا يحب ولا تغريه الحكايات الإفريقية، تلك الحكايات الخيالية التي نسج واحدة منها رجل اسمه سامي، عاش حياته في أبيدجان، ثم مات في غربة أخرى ودفن في لبنان الذي ظل بعيدا عنه بالجسم والروح رحمه الله.

تعرف على آخر مستجدات جائحة كورونا ببلادنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى