مقالات رأي

ألفا كوندي نهاية رجل شجاع / ياسين عبدالقادر الزوي

يوصف ألفا كوندي بالمعارض التاريخي في غينيا، إذ أنه عارض جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم جمهورية غينيا منذ إستقلالها عام 1958، ثم نفيه إلي أوروبا والحكم عليه بالإعدام، قبل أن يعود إلى غينيا ويتربع على كرسي السلطة عام 2010 .

سنوات طويلة ومسيرة حافلة بين مغادرته إلى فرنسا، وهو في الخامسة عشر من عمره، ودراسته هناك القانون وعلم الإجتماع والاقتصاد، ثم انخراطه في الحياة السياسية.

ولقد بدأ تجربته السياسية مبكرا جدا، في ستينيات القرن الماضي، وهو في العشرين من العمر، من بوابة اتحاد الطلبة الأفارقة السود بفرنسا، حيث ترأس وقاد الاتحاد، وكانت له مساهمته في قيادة الحركات المعارضة لنظام الرئيس الغيني المؤسس أحمد سيكو توري.

عام 1971 صدر في حقه حكم بالإعدام، وقضى عقدين من الزمن وهو في المنفى قبل أن يعود إلى غينيا مع بداية تسعينيات القرن الماضي، وكانت آنذاك تحت حكم عسكري جديد بقيادة لانسانا كونتي، الذي حكم لمدة عشرين عاما، واستمر حتى 2008.

بقى ألفا كوندي على موقفه معارضا صلبا للحكم في غينيا، تقدم للانتخابات الرئاسية عامي 1993 و1998، وأعتقل قبل أن تعلن عن نتائجها، وفي مطلع الألفية الجديدة حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة المساس بسلطة الدولة، لكن الضغوط الدولية عجلت بالإفراج عنه.

بعد هذه المسيرة الطويلة من النضال تقدم للانتخابات الرئاسية عام 2010، ونجح في الوصول إلى الرئاسة بنسبة 55,5 في المائة من أصوات الناخبين، وكان عمره آنذاك 72 عاما، فأعلن بعد فوزه أنه رئيس التغيير لصالح الجميع والمصالحة الوطنية.

بعد الفوز في ولاية ثانية أكتوبر 2015، بدا الرئيس كوندي في موقف صعب، وهو المعارض لتعديل الدساتير ودفع ثمن مواقفه السياسية من غربة وسجن، وبدأت المعارضة تطالبه بوضوح بأن يعلن عن خطته، وتطلب منه تأكيد أنه لا ينوى تعديل الدستور والترشح لولاية ثالثة، لكنه في كل مناسبة كان يبتعد عن هذا الأمر، حتى كان له ما أراد عام 2020، حين قام بتعديل الدستور والفوز بولاية ثالثة شككت المعارضة في دستوريتها ونزاهتها، ما جعل مصير البلد مفتوحا على كل الاحتمالات.

يعتز ألفا كوندي بانتمائاته اليسارية، وثقافته الثورية، ولا تجد محطة أو موقف في قلب القارة الإفريقية أو غيرها، إلا له فيه بصمة سلبية كانت أم إيجابية، يختلف معه الكثيرون ويتفق معه كثيرون آخرون.

في أكتوبر من عام 2019 في مدينة سوتشي الروسية، المطلة على البحر الأسود، كان أول لقاء إفريقي – روسي، في إطار منتدى التعاون الإفريقي – الروسي الذي شارك فيه معظم القادة الأفارقة بالإضافة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكان من حسن حظي أنني كنت أحد المشاركين في هذه الفعالية الهامة، ضمن 6 آلاف مشارك. وفي هذا المنتدى كانت المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس ألفا كوندي على الطبيعة.

كنت كعادة أبناء الصحراء جالسا في زاوية ميتة، أترقب وأتابع التفاصيل بدقة شديدة، وأنا المتعطش للمشاركة في اللقاءات الأفريقية بعد غياب طويل، ظهر أمامي فجأة الرئيس ألفا كوندي، وكانت أول مرة أشاهده فيها مباشرة، وكانت خطواته ثقيلة جدا، محاطا بمرافقيه، لكن من الواضح أنه كان معتل الصحة، قلت لصديق بجانبي: هل هذا ألفا كوندي ؟ قال لي: نعم، فقلت له: يبدو أن الوضعه الصحي للرجل غير جيد، قال لي، وهو المطلع على الشأن الأفريقي: نعم هو في الثمانين من العمر، ولا يزال يطمح لتعديل الدستور، والترشح لولاية جديدة، قلت له: هل يمكن هذا ؟، قال لي: نعم وسوف يفوز أيضا.

كان هذا المنتدى محطة من محطات التنافس الكبير الذي تشهده أفريقيا بين مختلف القوى الكبرى في العالم، حيث شهد عام 2019 في أغسطس لقاء إفريقيا واليابان في يوكوهاما، ولقاء سوتشي في أكتوبر، وفي نوفمبر لقاء إفريقيا وألمانيا للأستثمار في برلين، وفي يناير من عام 2020 القمة البريطانية الإفريقية للاستثمار.

وتهكمت الصحافة البريطانية على الرئيس بوريس جونسون، حيث حضر 15 رئيس دولة فقط، وقالت إنه يعقد قمة لأفريقيا ولم يقم بزيارة أي دولة إفريقية، في حين إن الرئيس إيمانويل ماكرون منذ إنتخابه عام 2017 زار 16 دولة إفريقية.

بدا واضحا أن معظم القادة من ذوي الخلفيات الاشتراكية، تعلوهم الابتسامة حين يعود بهم الحنين إلى الجذور المؤسسة للفكر الاشتراكي، حيث بلاد ماركس ولينين وستالين، تعيش نشوة قيادة سياسية صلبة نجحت في تقليم أظافر الغرب، ويرددون ما قاله الوزير المثقف المخضرم سيرغي لافروف في مؤتمر ميونيخ للتعاون والأمن عام 2018 حينما وصف العلاقات الدولية بعالم ما بعد الغرب، ويذكرهم بكلام زعيمه بوتين قبل عشر سنوات من نفس المكان.

وكان من بين هؤلاء طبعا ألفا كوندي الذي يوزع الابتسامات وكأنه صاحب المكان.

وفي ذروة الحرب الباردة بين 1960 و1980، شهدت القارة الأفريقية حسب أحدث الدراسات، ما يقارب عشرين محاولة انقلابية، أي بمعدل كل عام محاولة ناجحة وفاشلة.

إننا نعيش الآن في مرحلة حرجة ودقيقة من العلاقات الدولية.

التقرير الأخير الصادر عن مجموعة الأزمات الدولية، يوليو الماضي، يقر بما لا يدع مجالا للشك بفشل وتعر الجهود الأمنية والعسكرية للقضاء على الجماعات الإسلامية المتشددة، والعصابات الإجرامية بمنطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا، ومع ما شهدته الأحداث الأخيرة في أفغانستان من سقوط أخلاقي للمنظومة الغربية، وإمكانية انعكاس ذلك على أماكن أخرى في العالم، فإن القارة الأفريقية سوف تكون بما لا يدع مجالا للشك مسرحا للتنافس والصراع الكبير بين مختلف القوى العالمية.

لقد ظهر العقيد مامادي دومبيا، قائد القوات الخاصة المستحدثة في غينيا، خلال العرض العسكري في غينيا عام 2018، كأن الرئيس ألفا كوندي يوجه رسالة للجميع ويحذرهم من أن هذه القوات الخاصة المستحدثة، سوف تدافع عن نظامه وتحميه وهي القوة المدربة حديثا ومجهزة بخبرة دول كبرى مثل فرنسا وأمريكا.

وفي إحدى اللقاءات الإعلامية سخر ألفا كوندي من الانقلاب في مالي، وأنه لا يمكن أن يحصل في غينيا، ولكنه لم يكن ليدري أن الأقدار تخبىء له هذه القوة التي اعتقد إنها سوف تحمي نظامه، فيما أنها هي التي ستنقلب عليه لتنهي حياته السياسية إلى الأبد.

بعض القادة ممن لهم خبرة وتجربة في الحياة السياسية، يحاولون أن يختاروا خاتمتهم بما يليق برصيدهم الوطني والتاريخي. كان يمكن للرئيس كوندي وفي ذروة ولايته الثانية، وبعد أن حققت غينيا معدل نمو تجاوز 6 في المائة، أن يستخلف بديله على الطريقة النيجيرية، ويسجل لتاريخه أنه قاد بلده لمرحلة استقرار وأسس لتحول ديمقراطي مستدام، لكن الرجل الذي لم يتذوق طعم السلطة إلا بعد سن السبعين، أصر أن يستمر إلى ما لا نهاية في مغامرته، ولم يكن يعرف إن تعديله للدستور كان تقديم مبرر مقنع لأي انقلاب عليه.

كل ظروف النجاح متوفرة لهذا الانقلاب، ومن الصعب توقع انتكاسته مع الخطوات المهمة التي اتبعها قادة الجيش، والتأييد الشعبي الكبير لهم.

لقد فر الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني بعد أن قاد أفغانستان إلى فساد كبير ودمار للمؤسسات، تاركا لهم كتابه الذي ألفه بعنوان (إصلاح الدول الفاشلة) يزين مكتبة قصره الفخم.

يقول نابليون بونابرت: في الحروب والأزمات الروح المعنوية تعادل عشرة أضعاف القدرة الجسدية.

لقد ظهر الرئيس المخلوع ألفا كوندي بمظهر بائس يثير الشفقة، ويقتل أي روح معنوية لدى حرسه أو نظامه أو عرقيته، وتجعل مسألة الدفاع عنه وعن نظامه مغامرة فاشلة، لذلك يجد تجمع الإيكواس في غرب أفريقيا نفسه في وضع صعب، والخيارات أمامه مرة، ورغم أن كثير من قادة التجمع لا يكنون الود للرئيس المخلوع ألفا كوندي، إلا أن مسألة شرعنة أي انقلاب مسألة صعبة جدا، وليس من السهل القفز عليها. ولا زال التجمع يعاني مما حدث في مالي قبل أشهر.

لن يجد المجتمع الدولي وقتا للمتابعة، وسوف ينتظر ما يقرره التجمع ليجد شماعة يعلق عليها عجزه عن اتخاذ أي موقف، ولن تتجرأ قوة عسكرية مهما كانت على التدخل لتعيد الرئيس كوندي إلى قصره الفخم.

إن حلبة الملاكمة التي تتنافس فيها القوى العظمى، سدد أحدها لكمة قوية سجل بها نقاطا مهمة في سلسلة جولات قادمة سوف نستمتع بمتابعتها عما قريب.

ياسين عبدالقادر الزوي

باحت في الشؤون الإفريقية

[email protected]

- حــمــل التطبيق وتوصل بكل جديد -

App Store Google Play
تعرف على آخر مستجدات جائحة كورونا ببلادنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى