مقالات رأي

نهاية ماراثون المفاوضات التشادية في الدوحة

ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون الأفريقية

بعد مضي قرابة خمسة أشهر من المفاوضات الشاقة بين الأطراف التشادية في الدوحة، أبصر النور أخيرًا، يوم الثامن من أغسطس 2022، اتفاق بين الحركات السياسية والعسكرية من جهة، والمجلس العسكري الانتقالي من جهة أخرى، يمهد الطريق أمام الحوار الوطني السياسي الشامل الذي سيعقد في العشرين من أغسطس الجاري في العاصمة التشادية نجامينا.

كانت مسيرة المفاوضات شاقة ومعقدة، ولم تكن هناك توقعات بالوصول لمثل هذا الاتفاق الذي اعترض عليه عدد مهم من الحركات السياسية والعسكرية، وعلى رأسها حركة (فاكت fact) بقيادة الدكتور مهدي، وهي الحركة التي قادت هجوما العام الماضي أسفر عن مقتل الرئيس إدريس ديبي.

الحركة رفضت التوقيع على الاتفاق، وأبدت جملة من التحفظات عليه مثل عدم جدية المجلس العسكري الانتقالي في ضمان مسألة عدم ترشح أعضاء الهيئات الانتقالية للانتخابات المقبلة، وإلغاء لجنة تنظيم الحوار الوطني الشامل بشكلها الحالي، لإفساح المجال أمام الشراكة الرباعية ممثلة في الحكومة وحلفائها والمجتمع المدني وأحزاب المعارضة السياسية بالداخل والحركات السياسية والعسكرية.

كما طالبت الحركة بتساوي عدد مندوبي أطراف المصلحة في الحوار الوطني الشامل، وإعادة هيكلة قوات الدفاع والأمن لتصبح جيشًا وطنيًا جمهوريًا حقيقيًا، وغيرها من النقاط التي أحيل النقاش حولها إلى الحوار الوطني الشامل، إلا أن حركة (فاكت) ومن يحالفها من المعارضة، يرون في تأجيل حسم هذه النقاط انتصارا للمجلس العسكري الانتقالي، الذي يعتقدون أنه سيتملص من التزاماته مستقبلًا بعد أن يضمن الشرعية وتجديد ثقة المجتمع الدولي فيه.

ورغم كل بيانات الاعتراض والرفض لم تفسد فرحة كثير من الأطراف بنجاح هذا الاتفاق، حيث شهد حفل التوقيع في الدوحة حضورًا دوليًا مميزًت، تمثل في وزراء خارجية عدد من الدول المجاورة لتشاد، بالإضافة إلى مداخلة الأمين العام للأمم المتحدة وترحيبه بالاتفاق، إضافة إلي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، كما رحبت بالاتفاق الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

من جهة أخرى حرص أمير قطر، على أن يلتقي رفقة رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق محمد إدريس دبي، بالوفود المشاركة بشكل عام، والثناء على ما تحقق طيلة المفاوضات من إنجاز لصالح الشعب التشادي.

ويعتبر المجلس العسكري الانتقالي أبرز الرابحين من الاتفاق، إذ تضمنت بعض بنوده فقرات مهمة سيوظفها المجلس لصالحه مستقبلًا، منها وقف الأعمال العدائية بصورة تامة ونهائية، بمجرد توقيع الاتفاق والتزام الأطراف الموقعة بعدم استهداف بعضها في الداخل والخارج، كما تلتزم الحركات السياسية المسلحة بعدم تنفيذ أي اختراق أو عمل مسلح أو هجوم من أي نوع ضد الحكومة الانتقالية.

كما ينص الاتفاق على عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وبناء الثقة والترتيبات الأمنية.

مما لا شك فيه تعتبر هذه النقاط مكاسب مهمة للمجلس العسكري الانتقالي، الذي سيكون حريصًا على تطبيقها، كما ستشكل ضغطًا كبيرًا على الحركات المسلحة الرافضة للتوقيع، حيث سيعتبر المجلس العسكري الانتقالي أنه ينفذ التزاماته الدولية في حال قيامه بصد أي هجوم أو ملاحقة هذه المجموعات خارج حدود تشاد.

شكلت المرحلة الانتقالية ضغطًا كبيرًا على المجلس العسكري الانتقالي الذي بدأ مبكرًا التحضير لهذا الحوار مع الحركات المسلحة، ونجح في الاتصال بعدد كبير من الشخصيات التشادية في دول كثيرة من العالم، وشكّلَ لجنة للاتصال برئاسة الرئيس التشادي السابق كوكني وادادي الذي يحظى باحترام كبير، وكان المجلس يسعى من وراء دعوة أكبر عدد ممكن من الشخصيات، إلى سحب البساط من تحت حركة (فاكت) وبعض القوى الفاعلة بحيث يكون حضورها محدودً.

نجح المجلس العسكري الانتقالي بشكل ملفت للنظر في هذه الجزئية، حيث أن كثيرًا ممن حضروا لا تعرف لهم سيرة ذاتية واضحة أو تاريخ نضالي معلوم، سوى أنهم يعيشون خارج تشاد فقط.

ونجح الوفد الحكومي في ممارسة ضغوطات بالانسحاب والمقاطعة، أربكت الوسيط القطري الذي كان حريصًا على نجاح الحوار بأي شكل كان، لذلك استغرقت المفاوضات هذا الوقت الطويل.

منذ سنوات طويلة لم يتجمع مثل هذا العدد من القيادات التشادية المعارضة، وهو ما شكّل دعمًا أكبر من حيث العدد، للمفاوضات التي تابعها العديد من الأطراف والهيئات الدولية.

لشهر أغسطس في تشاد ذكريات متميزة، إذ يحتفل فيه التشاديون بذكرى الاستقلال عن فرنسا، وفي هذا العام سيحتفلون بتوقيع الاتفاق والتحضير لانطلاق الحوار الوطني الشامل.

لطالما ارتفعت المطالب في تشاد بعقد حوار وطني شامل، منذ عهد الرئيس الراحل إدريس ديبي، الذي عقد أكثر من أربع حوارات وطنية شاملة، وفي كل مرة كانت تصدر قرارات وتوصيات؛ سواء بتعديل الدستور أو تعديل النظام السياسي للدولة من شبه رئاسي إلى رئاسي كامل، وغير ذلك من تفاصيل على غرار تقسيم المحافظات والولايات، أو تعديل القوانين الانتخابية.

مع ذلك فإن لهذا الحوار الجديد ظروفه الخاصة، فهو الأول في عهد “ديبي الابن” الذي سيكون حريصًا على تجاوز مرحلة صعبة بدأت بالوفاة غير الطبيعية للرئيس ديبي، ومع ذلك نجح الفريق “ديبي الابن” في قيادة تشاد رغم كل هذه التحديات، وأظهر صلابة وحسن تدبير رغم الخلافات العميقة، حتى داخل أسرته وبين إخوته، ونجح فريقه الحكومي في قيادة حوار الدوحة، حين حقق مكاسب حقيقية للنظام تمهد الطريق أمام حكم “ديبي الابن”، إذ أنه سيكون مرشح الحزب الحاكم (MPS) للانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم أن المعارضة حاولت أن تغلق الباب أمام هذا الترشح خلال حوار الدوحة، ولكن ذلك لم يتحقق.

من جهة أخرى لن يجد المجتمع الدولي، الذي تخنقه الأزمات الكثيرة، بدًا من التعاطي الإيجابي مع نتائج هذا الحوار، وما يتبعه من إجراءات رغم التحفظات التي ستظل قائمة لدى المعارضة السياسية والعسكرية، أما حركة (فاكت) المعارضة، وبقية حلفائها، فهي أمام خيارات صعبة، إذ أنها لم تغلق باب الحوار مع المجلس العسكري بشكل نهائي، خاصة وأنها خسرت ورقة المجتمع الدولي باعتبار أنها رفضت توقيع اتفاق سياسي أجمع عليه جزء كبير من التشاديين.

وإذا قررت الحركة العودة إلى العمل العسكري، فسيكون قرارها بالغ التعقيد، وسيعطي للنظام شرعية أخلاقية لخوض حرب شرسة ضدها، حتى خارج حدود تشاد، ليضرب معسكراتها ومعاقلها داخل الأراضي الليبية.

لا شيء بالمجان في عالم السياسة، ولم يعرف حتى الآن حجم الثمن الذي سيدفعه المجلس العسكري الانتقالي مقابل المكاسب التي حقق، كما لم تعرف بعدُ التعهدات والضمانات التي قدم المجلس لبعض الأطراف الإقليمية والدولية التي قد تكون ساعدت في هذا الإخراج المهم للحوار في الدوحة، هل سيكون هنالك المزيد من التسهيلات العسكرية والأمنية لبعض القوى الفاعلة في المنطقة، أم أن الجيش التشادي سيلعب دورًا أكبر مستقبلا في مكافحة الإرهاب والتطرف في المنطقة، أم أن الثمن سيكون اقتصاديا من خلال فتح البلد أمام فرص استثمار واعدة وتقديم تسهيلات كبرى في هذا الشأن.

لم يترك “ديبي الابن” شيئًا من والده يضيع، لقد حافظ على كل شيء؛ من طائرته الخاصة إلى مترجمه الخاص، والكثير من رفاق والده ما يزالون بجانبه، ولهؤلاء خبرات متراكمة، كان تأثيرها واضحا في تسيير شؤون الدولة خلال الفترة الأخيرة.

في ظل الأزمات الدولية المعقدة، وحالة الاستقطاب الحادة داخل الساحة الدولية، ترى كثير من الدول الفاعلة أن ديمقراطية التوريث الأفريقية يمكن أن تكون نموذجًا مناسبًا لاستمرار السلطة، فبعد نجاح تجربة الغابون والتوغو في التوريث، وتشاد مرحليًا، مع التحضيرات “الجيدة” للتوريث في كل من الكاميرون وأوغندا والكونغو برازافيل وغينيا الاستوائية، وهي دول مهمة وفاعلة في القارة.

لذا فإن خيار التوريث على الطريقة الأفريقية يكتسب شرعية وزخمًا كبيرًا منذ سنوات.

تجاوز “ديبي الابن” محطات صعبة خلال عام ونيف، ومر بمطبات كثيرة نجح خلالها في قيادة الطائرة بأمان، إلا أن أمامه وقتًا طويلًا لبناء منظومة حكمه في بلد بالغ التعقيد مثل تشاد.

وفي هذا الإطار حققت قطر نجاحًا في دبلوماسية الأزمات، بإضافة أزمة تشاد إلي رصيدهم في إدارة أزمات خارجية بعد أفغانستان، ورغم التعقيدات الكبيرة لا يمكن التقليل من حجم الجهد الذي بُذل طيلة أشهر عديدة.

- حــمــل التطبيق وتوصل بكل جديد -

App Store Google Play

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى