مقالات رأي

كأس العالم.. نهاية الهدنة

عبد العزيز إبراهيم ـ صحافي سوداني

.. إنها قسمه عادله، فاز عدد قليل من البشر و هم لاعبو كرة القدم في المونديال بالمال والشهرة والتقدير و بعضهم بالتبجيل كمثل (ليونيل ميسي) في تلك الليلة، بينما عاش المليارات من المشجعين بلحظات إنسانية طيبة و مسالمة ورأينا العالم على مدار شهر و هو في حالة من المرح واللحظات العابرة من الفرح والحزن ودموع الأسى و دموع السعادة،
نعم تعيدنا كرة القدم إلى شيء يشبه طهارة العالم القديم حيث يتبارى الناس في الساحات كما كانوا يفعلون بعد مواسم الحصاد او الأعياد.

اختفت تقريبا جميع الألعاب من ساحات العالم و بقيت كرة القدم في مستطيل أخضر بشباك بيضاء تحمل بهجة كل الألعاب التي اندثرت ، حيث يلعب ٢٢ شخصا نيابة عن الملايين، ينوبون عنهم في الحلم والانتصار والإصرار، ترى طفل رخو لم يبلغ الحلم وكأنه الذي سجل الهدف و ترى رجل مصاب بالسمنه يصرخ وكأنه الذي هرول بسرعة ميسي او امبابي ، هل هي مجرد لعبة؟ لا، أعتقد
إنها هدنة مع العالم المتعب من الوجود البشري المثقل بالشقاء والأحلام المتعبة والإرهاق و الأوبئة والفواتير المنزلية و جشع التجار و تلوث النسيم والضوضاء وصخب الحديد.
لشهر و نيف كانت الأعلام و الألوان، ترفرف مثل طيور في الأحلام الجميلة ،
الأعلام التي تحمل علامات الحروب والأمجاد القاسية التي أزهقت أرواح ملايين البشر عبر التاريخ كانت ترفرف في لحظات من السلام و َالانتصارات التي يسيل فيها عرق الشباب ، تبكي الجماهير في خلال 90 دقيقه او تفرح ثم تنسى كل ذلك استعدادا للبكاء او الفرح القادم عبر مباراة أخري.
.. الانتصارات ََ و الهزائم تبقى لأيام ريثما تتفاعل مع المشاعر الداخليه لكل مشجع ثم تختفي ، طوال لحظات الفرح او الحزن في مباريات كرة القدم تزداد لحظات الحب لمن حولك و مشاعر التضامن و الانسجام البشري ، ريثما ينتهي كل ذلك و يعود العالم والبشر الي حالتهم الطبيعيه ، يحبون او يتعاطفون وفقا لظروف متفق او مختلف عليها ، لكنها ليست جماعية كما في ساحات الملاعب ، منح الملايين من البشر لأنفسهم و وأبنائهم أسماء اللاعبين الذين يحبونهم ، الاب ميسي والابن ميسي َوالزوجه كذلك ميسي ، لا يهم ان كان ميسي رجلا او إمرأة او هو الاب والابن معا، انها احلام التعلق بالبطل. ، البطل الذي يركض بساقين نيابة عن ملايين السيقان ، الذي يخفق قلبه نيابة عن ملايين القلوب
الذي يسيل عرقه نيابة عن ملايين الجباه ، هل هذه هي هدايا لعبة كرة القدم وحدها ؟

الملايين من فقراء الارجنتين سوف يشعرون ان كل واحد منهم يمتلك 5 كيلو جرامات من الذهب هي وزن كأس العالم
لن يبعها ليشتري الطعام او الكساء ، أو حتى منزلا لو كان مشردا ، سوف يحملها بين يديه ، ليمول أحلامه الداخلية بالمجد والبطوله ويرفعه عاليا و يصرخ صرخة النصر ، ما الذي تريد أن تقوله لنا تلك الأيام العجيبه لكأس العالم ؟
ما الذي سيبقى من ذلك المهرجان الخرافي ، الذي تتوحد فيه البشريه التي خلقت مقسمة و مختلفه ؟
.. كان امبابي بطلا اسطوريا ، خسر الرهان ، كان بالكاد يجر قدميه ، حتى مَواساة اهم شخص في بلده و هو الرئيس لم تكن تعني له شئيا ، و لم يستطيع أن يمنحه العزاء ََ و السلوى ، الزعماء الكبار كانوا مجرد ضيوف شرف في محراب البطولة والنزال ، لشباب مجهولي النسب بعضهم ولد في أحياء فقيرة ، و كانوا يركضون حفاة في الميادين الترابية ، لكن زئير ملايين الحناجر كان من أجلهم ,الزعماء أنفسهم قد منحتهم تلك اللعبة الساحرة فرصة التطهر من لقب الشخص المحجوب المهيب الأول ، و تحولوا للحظات إلى بشر عاديين هم ايضا يحلمون أحلاما فرديه هم ايضا ، منحوا سيقانهم و قلوبهم واحلامهم بالنصر لمدة 90 دقيقه ، إلى أحد اللاعبين، من اولاد الحواري الفقراء.
(امبابي) الذي ولد لأم من الجزائر و أب من الكاميرون ، و ليست لديه رفات من الأجداد في تراب الجمهورية ، لم يكن ذلك مهما ، لم يكن فرنسيا ، كان مجرد انسان جدير بحمل احلام الجماهير بالنصر والمجد ، مثل ميسي الذي لم يكن ارجنتينيا في تلك الليلة و لكنه كان انسانا تمنى له الملايين ان يكون بطلا ، حتى الفرنسيين عندما تعبر لحظات الحزن ستعود و تفرح مع ميسي مره اخرى ، لأنه استحق ان يكون بطلا منتصرا في معركة مرحة على كرة من الجلد او البلاستيك منفوخة بالهواء .
.. المشاعر القومية لن تخلد في تلك الظروف ستبقى مشاعر العدالة الإنسانية و هي ابدا تمنح الحب والتقدير إلى الشخص المُخلص الذي يسعى لتحقيق الهدف بجد واجتهاد
،اما نحن الملايين من أبناء هذا الوجود سوف نخلد الي النوم الهادئ بعد هدنة لشهر كامل من العالم المسور بالحدود القاسية و مشاعر الزعماء المكدودة في النزاع الذي لا ينتهي على المجد والنصر، والموارد والتحالفات من اجل الاستحواذ والثراء .. ذلك النزاع الذي نعرفه جميعا و أنتج لنا تلك الإعلام التي نلوح بها في ساحات الملاعب
لكن قبل أن نفيق من الحلم سوف نعيش لأيام مع لحظات العناق للبطل بين ميسي و زوجته
كان ذلك أثمن لديه من ميدالية ذهبية واثقل من جبال الذهب، اما قبلة المغربي (أشرف حكيمي) على رأس أمه الطيبة فهي الكأس الذي رفعته جميع القلوب ، الكأس التي ليس لديها وزن لأنها أكبر من الأحجام المعدودة فهي كأس المحبة .

 

- حــمــل التطبيق وتوصل بكل جديد -

App Store Google Play

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى