ثقافة وفن

“سمراء”.. قصة قصيرة فازت في المهرجان السابع لاتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين

سمراء

محمد عمر ولد أباه

 ونوديت من شمال غرب البقعة المباركة ، حيث ظل الوكر أبيا على مسار الحقب، ،وهناك عاشت جؤذرا ،  نقية السريرة  تماما كالثلج ، ناصعة الشرف كرمال الصحراء ، …  وأحتضنها أهلوها بفخر واعتزاز،

…و أحست حملا ثقيلا يداعب أحشاءها ، فاتخذت  من دون أهلها وردا رتلته  ـ غدوا وآصالا ـ سفرا لأحلام البشر … ، و ما إن خرجت إلى خلوتها حتى تمثل لها الطهر بشرا سويا ،

 قالت من أنت ؟

قال: … جئت لألهمك أن الحمل سيكون أسمر كلون العسل ، وديعا كنسائم الصباح ، هادئا مثل صفحة النهر ،… لا تخافي عليه صولة هابيل وذريته !

… وجاءها المخاض إلى جذع الرباط ، وهزت المنارة فخرج النور من حضها فإذا هي قد وضعت حملها بنين أربعة ، لكل منهم لسان  ؛ ورددوا  شكرا  أماه …،

جميعهم سَرَاةٌ على مقاس الصحراء ، ذكاء ،إباء ،  شجاعة ، ووفاء..

قالت : هذا تأويل رؤياي ،قد جعله ربي حقا ، …وقد  يحسن بي  حين يصبحون رجالا جوابين لأصقاع الأرض، حراثين بذورا تنبت كل حين  سبع سنابل ،من رأسها  يأكل البشر ،  ومنها تذر الرياح  فتاتا يعم أرجاء المعمورة ….

… و وضعتهم ذكورا … ؛

قالت : إني سميتهم رجالا …؛

تكلموا من المهد  قالوا: نريدك  أماه  فتاة  الصحراء : طهرا ، سمتا ، خلقا  ،تدللا وحياء ،

 نريدك  أحلاما تعانق الشمس علوا وضياء.. !

… حتى طموحاتُك – أماه – يلزم أن تشي بأنك أم الرجال  ، حتى قوامك الممشوق وجيدك الطويل وملامحك الوردية  يلزم أن تحمل طموحاتنا (نحن  بنوك الأمناء)؛

… وسميتنا الرجال وسميناك ( سمراء .. )؛

… و في عالم مسكون بالهدوء و عبق البشام ، ربت سمراء بنيها ، فضمختهم بعطر المجد الذي مارضيت  غيره لهم  عطرا ، ومن ثراها احتسوا معاني الكرم والشجاعة والإباء  …

ومن لبان الجدات رضعت  سمراء وصايا عشر، ومنهن تعلمت حُسن رضاعة الأبناء ،

… ورَصعت هامتَها بحنان الأمومة ،  فبدت  بدرا يَشق  حجب الفضاء، ثم أهدت نورَها  ساطعا للكون   جنوبا  وشرقا،

… و أحسنت التدلل كما كان أبناؤها يحسنون وفادة الضيفان ، ومن سحر الصحراء ومياه النهر  شربت كؤوس الأنوثة مترعة بالعفاف والطهر ..،فتحولت ورقاء  يمزق سجعها  رتابة  الجو المسجى بوحشة المكان  …

… و من أعلى المنارة  هبط  نور بنيها الأغر ، فامتد رباطا  ساحبا الطنب الجنوبي  إلى حيث مضارب أبناء العم …، ثم تحول هدى  فاتبعوه إلا قليل منهم  رضوا بالمقام في دفء  السامري  واطمأنت نفوسهم لخوار عجله  …

ثم ازداد  النور ألقا ، فتربع ظهر (سمراء ) لا يفارق شعاعه  وجهها حتى حين ، وطفق بنوها يجوبون البقاع على ظهور العيس  سقيا للظامئين  من ينبوعها الغدق ؛

.. وأشرقت  بفكر الأربعة…، ففاضت  شعرا وبيانا وسحرا وحكمة ،  وأخذت تنثر العطاء يمنة و قداما ؛

 وتسابق اليها الرجال و بأيمانهم  الطارف  والتليد طالبين أياديها ، راجين حكمة بنيها ،

قالت  : إني اعيذهم بالله من الشيطان ، أتريدون الذي هو خير…؟

قالوا :  أجل  ، بعضا من علم وشيئا من التقوى ، ذلك هو ما  نبغي …

قالت : إذن هي سمات بَني الذين أنجبهم  نجم من  الشرق  سقط في حضن عذراء من  الجنوب  أطهر و أنقى من ماء المطر …

قالوا : أ أنت  أمهم ؟

قالت : هم أبنائي يفاخرون بي ، وبهم أفاخر  …

قالوا : أأنت  من زنج النهر   أو من شنشنة (كدية الجل) ؟

قالت : منهما معا  ،

قالوا : هل تقبلينا ضيفانا على  بنيك ، فعلى خَوَانك نطعم مما يطعمون ؟

قالت : شرط أن لا تخافوا نوار الشرق ونسيم ( الكوري )  ،و أن لا تحسبوا بداوة الصحراء صنوا لهمجية (الحضارة)…!

قالوا : نحن على شرطيك ،فهل من نوال ؟

قال الأربعة : أهلا بكم فانتم اليوم في ضيافة سمراء ، حطوا رحالكم ، نحن مصممون من تحت  أطناب خيمة الشعَر على  انتشالكم من براثن الاغتراب … ،

… ومن معين سمراء نهلوا  وعلوا ، ومنها تعلموا خصال المجد، ثم قرروا الرجوع إلى أبيهم ،

قالت :اجعلوا بعضا من  بضاعتي في رحالهم  علهم يذكرون جميلي حين يعودون الى أهلهم ؛

 … وقال أبوهم: إني لأجد في قمصانكم  ريح سمراء…

قالوا: بلى ، و وجدناها نجمة  اتخذت عرشها بين الفرقدين …،… وترحل  جنوبا وشرقا  كما كان أبوها يرحل ،

قال أبوهم : إذن هي حيدره ….؟

قالوا : و( ابرم خمخم …)

قال : وبنوها أقمار يهتدى بهم  ؟

قالوا :  يا أبانا كأنك تعرفها تماما كما عرفناها …؟

قال :  هي سمراء أم الرجال …!.. هي سمراء أم الأمناء…!، وجدت ذكرها عند جدودي وبزيارتها أوصوا ،وعنها قالوا :

       “وأتى عليها حين من الدهر كان بنوها شيئا مذكورا …، ثم أنشئت إنشاء ، وبدأ تاريخ  أرض الرجال ، وتحرك المكان ، فجاراه  الزمان في حركة رسمت خطوات اللحظة الأولى من الزمن بملامح المجد ، … وإذ ذاك قُتل هابيل في أرض طامسة الأعلام لينعم البشر جميعه بمعين سمراء” ؛

طأطئوا رءوسكم يا أبنائي إجلالا لسمراء وبنيها ، وتغنوا بأمجادها، يكن ذلك لكم حلية من وقار وحرزا من عار..؛

قالوا :  يا أبانا سمعا وطاعه … سمعا يا جدودنا وطاعه .

- حــمــل التطبيق وتوصل بكل جديد -

App Store Google Play

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى