تحليلات

عزيز في وجه الحقيقة الغائبة.. صمت أمام المحققين والصحافة

قراءة في ثلاث ساعات من المواجهة بين عزيز والصحفيين

تحدث الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز لثلاث ساعات مساء أمس الخميس، دون أن يجيب على الأسئلة التي شغلت بال الموريتانيين وترقبوها من رجل حكم البلاد لعشر سنوات ويواجه تهماً بالفساد والإثراء غير المشروع.

رغم الترقب الكبير الذي سبق المؤتمر الصحفي إلا أنه عندما بدأ كان «أقل زخماً» من المتوقع، فلم يكشف فيه الرئيس السابق عن المعلومة التي يمكنها أن تتصدر نشرات الأخبار وتطيل من عُمر الحدث عبر تغطيته الإعلامية، رغم أنه أحدث قدراً كبيراً من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كان أغلبها «ساخراً».

غياب وحضور

كان من اللافت في المؤتمر الصحفي غياب لفيف المحامين للدفاع عن الرئيس السابق، وهو الفريق الذي سبق أن عقد عدة مؤتمرات صحفية، ومنذ بداية عمله وهو يركز بشكل كبير على لعبة الإعلام، ومع ذلك غاب عن أهم حدث إعلامي لموكلهم.

كما غاب أيضاً النائب البرلماني بيجل ولد هميد، الذي سبق أن حضر المؤتمر الصحفي الذي عقده ولد عبد العزيز نهاية العام الماضي، وهو غياب يؤكد الأنباء التي تتحدث عن مراجعة ولد هميد لموقفه الداعم للرئيس السابق.

وسبق أن أعلن ولد هميد أنه يقف على مسافة واحدة من الرئيس السابق والحالي، ولكنه بغيابه عن هذا المؤتمر وعن الأنشطة واللقاءات السياسية التي عقدها ولد عبد العزيز مؤخراً، يبدو أنه أصبح أبعد من السابق، وإن كان لم يعلن ذلك بشكل صريح.

وكان يُعد ولد هميد الشخصية السياسية الأكثر تأثيراً من بين الجماعة التي ترافق ولد عبد العزيز في صراع المرجعية، ومع خروجه يفقد ولد عبد العزيز جزء كبيراً من قوته السياسية المفترضة.

ولكن في المقابل جلس خلف ولد عبد العزيز «عشرة رجال» من ضمنهم ثلاثة وزراء عملوا معه في السابق هم: سيدنا عالي ولد محمد خونه وإسلك ولد أحمد إيزيد بيه ومحمد ولد جبريل، ومعهم الأمين العام لحزب الوحدوي الديمقراطي الاشتراكي محفوظ ولد اعزيزي، بالإضافة إلى بعض المقربين منه عائلياً واقتصادياً.

وإن كان ولد عبد العزيز قد أشرك ولد هميد وولد محمد خونه في مؤتمره الصحفي نهاية العام الماضي، فقد ترك «العشرة رجال» الذين حضروا معه أمس مجرد ديكور، فلم يتحدث منهم أي أحد، وحده الوزير السابق محمد ولد جبريل كان يتولى مهمة التنسيق والتنظيم، ويلعب دور «مدير التشريفات».

خارج اللعبة

أوضح الرئيس السابق خلال مؤتمره الصحفي أنه فقد السيطرة على الأمور، ولم يعد يملك القدرة على تغيير مسار الأحداث لأنه لا يمتلك أدوات تغيير قواعد اللعبة، وقد أكد ذلك حين سأله أحد الصحفيين عن وجهة نظره في الطريقة التي يمكن أن تنهي هذه الأزمة.

رد ولد عبد العزيز بعد أن صمت للحظات وفكر، فقال إن الملف سيغلق عندما يقرر ذلك الشخص الذي فتحه، أو أن يصدر القضاء حكمه، دون أن يحتفظ لنفسه بأي دور في التأثير على سير الأحداث، مع أنه ترك الباب مفتوحاً أمام خرجات إعلامية مقبلة ونشاط سياسي مستقبلي.

في المقابل كشف ولد عبد العزيز أن موقفه السياسي هو موقف راهن ومؤقت، فعلى الرغم من خطابه الذي لبس لبوس المعارضة حين انتقد تسيير البلاد خلال السنة الماضية، إلا أنه في الوقت ذاته رفض وضع نفسه في خانة المعارضة، أي أنه يستخدم أدوات سياسية دون أن يتموقع في الساحة !

هل أخطأ عزيز ؟

تعود ولد عبد العزيز في جميع مؤتمراته الصحفية، منذ بداية حكمه، أن يثني على الجيش وينصح بعدم انتقاده أو البحث في القضايا المتعلقة به لأنها «غير مطروحة للنقاش»، ولكنه انفعل في مؤتمر الأمس وتساءل عن أموال الجيش، وكأنه يلوح بفتح ملفاته وطرحها للنقاش.

هل يحاول ولد عبد العزيز أن يدخل الجيش في الأزمة التي تحاصره منذ عدة أشهر، أم أنه يلوح باستغلال الجيش كورقة للضغط على القضاء، خاصة حين تحدث عن نشر مقاطع مصورة لبعض الشاحنات وقال إن المحققين لو عرفوا قصة هذه الشاحنات لما نشروا صورها، دون أن يعطي تفاصيل أكثر.

كانت محاججة ولد عبد العزيز تقوم على مبدأ أن «الفساد تورط فيه الجميع»، وترك الانطباع بقدرته على توريط كثيرين معه، ولو أنه رفض بشكل صريح «النزول لهذا المستوى»، ولكنه رفض مؤقت ومرحلي، كان ذلك واضحاً من حديث الرجل.

في المقابل كان حديث ولد عبد العزيز لثلاث ساعات متواصلة، ورفضه للإجابة عن الأسئلة الجوهرية والتهرب منها، قد أضعف إلى حد كبير مستوى المؤتمر، خاصة وأن الرجل حمل معه بعض الملفات رفعت من مستوى التوقعات، ولكن حديثه كان في أغلبه حديثاً معاداً ولم يلجأ لهذه الملفات إلا مرة واحدة ليقول إن ميزانية رئاسة الجمهورية ارتفعت العام الماضي بنسبة 88 في المائة، وهو ما نفته وزارة المالية بسرعة.

كواليس المؤتمر

وضع الرئيس السابق على الطاولة إلى جانبه ساعة زجاجية من الحجم المتوسط، لونها ذهبي، كان يراقبها حتى لا يتجاوز الوقت المحدد من طرف السلطات للمؤتمر الصحفي، إذ يجب أن ينتهي «التجمع» قبل منتصف الليل، وقد اختتم المؤتمر قبل ذلك بدقائق.

كان المؤتمر أكثر تنظيماً من سابقه، رغم الفوضى التي سبقته، خاصة فيما يتعلق بدخول الصحفيين، فقد كانت البوابة الرئيسية في قبضة سيدة اشتهرت محلياً باسم «مجنونة عزيز» هي من تمنح الإذن بدخول من نودي باسمه من طرف حراس قصر الرئيس السابق.

كانت الأجواء خارج إقامة الرئيس السابق «عدائية» تجاه الصحفيين، إذ كان المتجمهرون يتلفظون بعبارات «غير ودية» تجاه كل صحفي يحاول الدخول، على خلاف الأجواء داخل الإقامة، حيث كان الترحيب بالصحفيين يتم بقدر كبير من الاحترام، مع أن جميع الصحفيين خضعوا للتفتيش قبل الوصول إلى موقع المؤتمر الصحفي.

بدأ المؤتمر هادئاً ومنظماً، إلا أنه مع مرور الوقت تخللت الفوضى بعض فقراته، خاصة حين وصف أحد الحاضرين من الجمهور الصحفي عبد الله ممين بأنه «من المشوشين»، فاحتج بعض الصحفيين على ذلك، فتدخل ولد عبد العزيز واعتذر وطلب من صاحب العبارة الانسحاب.

في نهاية المؤتمر الصحفي كان ولد عبد العزيز حريصاً على أن يستغل كل الدقائق المتبقية، إلا أن الصحفيين نفدت أسئلتهم، أو على الأصح أصابهم الملل من تكرار نفس السؤال دون الحصول على إجابة، ليبقى أهم سؤال يطرحه الموريتانيون معلقاً: السيد الرئيس السابق، من أين لك هذه الأموال ؟

انتهى المؤتمر الصحفي دون أن يختلف الوضع كثيراً، فالرئيس السابق تعامل مع الصحفيين بنفس الطريقة التي تعامل بها مع المحققين طيلة أسبوع، فصمت أمام المحققين وتهرب أمام الصحفيين، وبقيت الأسئلة معلقة دون إجابة.

تعرف على آخر مستجدات جائحة كورونا ببلادنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى